الجنجويد

 

 

helhag@juno.comد. حسين آدم الحاج

الولايات> المتحدة الأمريكية

تمهيد:

لم يحدث فى تاريخ دارفور القديم أو الحديث أن حدثت حملات تصفية عرقية مثلما ظلَّ يحدث خلال العقدين الأخيرين, وينطبق وصف التصفية العرقية ((Ethnic Cleansing على هذه الحالات نسبة لطبيعة ونوعية الجرائم التى حدثت, والتى أخذت منحى عرقى قَبَلى صرف حيث وضعت القبائل ذات الأصول العربية فى مواجهة القبائل ذات الأصول الأفريقية تحديداً, ومهما يكن من حجم تلك المواجهة إلاَّ أنَّ المجازر التى صاحبتها تشى بقدر كبير من الشكوك حول طبيعة الصراع و الأهداف المخفية وراءها بحيث يصعب على المراقب الحصيف أن ينسبها فقط إلى مجرد منازعات حول المراعى أو مصادر المياه كما تحاول وكالات الإعلام تصويرها, ثم إنَّ تواتر القتل الشنيع وتوسعها تدريجياً من خطوط التماس الإثنى إلى قلب ديار القبائل الأفريقية المستقرة تعكس حقيقة واردة هى أنَّ هناك إستهداف يتعدى مجرد النزاعات القبلية البسيطة التى تحدث فى أى منطقة ذو تعدد قبلى إلى الشك في وجود مؤامرة كبرى تستهدف إقليم دارفور, وربما غرب السودان بأكمله, وأنَّ ما يحدث الآن قد لا تكون إلاَّ مرحلة من برنامج منظم لها إمكانيات واسعة تتعدى الحد ود والإمكانيات السودانية. هذه المقدمة ضرورية قصدنا بها تهيئة ذهن القارئ لفهم أنَّ ما يجرى فى إقليم دارفور شيئ أكبر من مجرد عمليات النهب المسلح أو نزاعات حول الموارد الطبيعية وربما تكون مليشيات الجنجويد فى حد ذاتها وسيلة لتحقيق مآرب أخرى, وإلاَّ فكيف نفهم دوافع القتل الشنيع وإبادة القرى وتنظيف الأرض وبصورة تتعدى مجرد القتل أو النهب المسلَّح.

 

من هم الجنجويد, أو الجانجويد, أو الجنجويت؟ وكيف تطورت نشأتهم؟ وهل حقاً أنهم وراء المجازر البشرية الحادثة الآن فى دارفور؟ ولماذ ولأى هدف يقومون بذلك؟ وهل هم جزء من مؤامرة منظمة تستهدف إقليم دارفور أو غرب السودان؟ وهل للحكومة السودانية دور فى رعايتها وتسليحها؟ تلك وغيرها بعض الأسئلة التى يتساءل عنها كل السودانيون والعالم أجمع, خاصة فى الآونة الأخيرة, والتى وصلت فيها تواتر المجازر بصورة مخيفة ومروعة لا تذكر المتابعين إلاَّ بمجازر الهوتو والتوتسى فى رواندا وبورندى أو تلك التى ظلت الجماعات الإسلامية المتطرفة ترتكبها فى الجزائر خلال عدة سنوات خلت, ونسبة لأنَّ هذه القضية أضحت محورية فى شأن الحرب والسلام فى دارفور من جانب, والتعايش والإنسجام القبلى بين المكونات الإثنية التى تقطنها من جانب آخر فيجدر دراستها بعمق ووعى شديدين ومحاولة تلمس المداخل السليمة للتعامل معها. إنَّ تحليل هذه الظاهرة, وهى فعلاً ظاهرة, تحتاج لخبرات متباينة من علماء الإجتماع والأنثروبولوجى والإقتصاد والتنمية والبيئة لأنها ظاهرة متعددة الأوجه ويجب تبعاً لذلك تناولها بمدخل حصرى يشمل كل تلك الجوانب.

 

سنتناول الحديث عن ظاهرة الجنجويد على مدى ثلاث حلقات فى هذا المقال, حيث سنستعرض فى الحلقة الأولى الجرائم التى ظلت هذه الجماعات ترتكبها بحق الأهالى المستقرين بدارفورمكتفين بما أرتكبوه تحديداً من تجاوزات أليمة خلال فترة هدنة وقف إطلاق النار التى وقعتها حركة تحرير السودان بدارفور مع الحكومة السودانية, والتى إمتدت فى الفترة من 3 سبتمبر إلى 20 أكتوبر الماضى, وذلك من أجل دحض الإدعاء الحكومى بأنَّ الأمور فى دارفور ظلت هادئة خلال تلك الفترة وإنَّ ما كان يحدث من خروقات لا يعدو أن يكون مجرد إحتكاكات فردية غير مؤثرة فى الوقت الذى يتم فيه إبادة الألوف من سكان الإقليم الأبرياء. ثم نعرج فى الحلقة الثانية لتناول موضوع الجنجويد عن قرب وسنحلل الظروف التاريخية والداخلية والجيوسياسية التى مكنت هذه الجماعات من النمو والتفرُّخ مثل النبت الشيطانى, مع التركيز بصفة خاصة للأهداف الغير المعلنة والإستراتيجيات الخفية والمبرمجة من بعض الجهات وراء إستخدام هذه الجماعات وبتلك الطرق الغير مشروعة خلقاً أو ديناً,ً وكشف الأصابع التى تلعب خلف مسرح العرائس وتوجه الأمور فى وجهات مشبوهة. ثم ننهى المقال فى الحلقة الثالثة والأخيرة بإستعراض أفكار ومقترحات لإمكانية الخروج من هذا النفق المظلم الذى أُدخلت فيه دارفور وأهلها تشمل جملة إقتراحات كمحاذير ضد عودة مثل هذه الظواهر مرة أخرى فى المستقبل.

 

وبالرغم من عدم توفر مصادر تحليلية لهذه الجماعات فإننا سنعتمد فى معلوماتنا على مصادر قليلة أشارت إلى ظاهرة المليشيات القبلية فى السودان عامة, ودارفور خاصة, منها كتاب الدكتور شريف عبدالله حرير بعنوان "السودان الإنهيار أو النهضة" (1997م), كتاب الدكتور محمد سليمان محمد بعنوان "السودان حروب الموارد والهوية" (2000م), تقرير "المسح الأساسى لإقليم دارفور", إعداد برنامج الأمم المتجدة للتنمية بالتعاون مع جامعة الخرطوم (1987), "تقريرعن الصراع القبلى بإقليم دارفور", إعداد الأستاذ يوسف تكنة (1997م), بالإضافة إلى بعض المعلومات التى وردت فى أركان النقاش بالإنترنت وتقارير الصحف ووكالات الأنباء السودانية والعالمية والأخبار العامة الواردة من دارفور وبعض المستندات الخاصة بتلك الجماعات. ونحن إذ نستعين بكل هذه المصادر نود أن نلتزم جانب الحذر بحيث لا نورد من المعلومات إلا ما كان موثقاً حتى لا يقفز علينا البعض بإتهام زائف, ثم إنَّ هدفنا الأساسى هو التوثيق لهذه الظاهرة وما/من وراءها, ومحاولة المساعدة فى فهمها ثم تبصر مداخل الحلول بالنسبة لتبعاتها المؤسفة, وبدورى أدعو كل المثقفين من أبناء دارفور بضرورة التصدى لهذه الظاهرة عبر المداخل العلمية المناسبة ومساعدة أهل دارفور فى تجاوزها برغم المرارات التى خلفتها.

 

سيكون مدخلنا فى هذا المقال عرض سلسلة الإعتداءات والمجازر التى تمت فى دارفور خلال فترة هدنة والتى نسبت إلى هذه الجماعات, الجنجويد, فمن المعروف أنَّ الحكومة السودانية إلتزمت فى البند الثانى من إتفاقية الهدنة بتعهدها للسيطرة على هذه الجماعات, والتى هى نفسها تسميها الجماعات المنفلتة أحياناً والراكبة أحياناً أخرى, ونزع سلاحها, الشيئ الذى إعتبره المراقبون إعترافاً ضمنياً منها بتبعية تلك الجماعات لها, وقد ورد على لسان بعض المسئولين الحكوميين من الإشارات ما قد يوحى بذلك بالرغم من إنكار بعضهم لها, وحقيقة فإنَّ الحكومة وبعدم سيطرتها على تلك الجماعات قد خرقت بوضوح تعهدها فى تلك الإتفاقية وتركت (وربما أطلقت) تلك الجماعات تسرح وتمرح فى أرض دارفور دون رادع يكفها بعد أن حيدت الحكومة أيادى الحركة المسلحة بتلك الإتفاقية ولم تحاول أن تفعل بالمثل مع القوات الراكبة كما تسميها, وتبعاً لذلك فقد أعلنت حركة تحرير السودان فى مفاوضات أبَّشى الثانية التى إنعقدت مؤخراً فى الفترة بين 26-30 أكتوبر الماضى أنَّ إطلاق الحكومة ليد الجماعات المسلحة (الجنجويد) قد أدى لمقتل الآلاف خلال فترة ال45 يوماً, هى هدنة وقف أطلاق النار, يفوق ما تم من قتل طيلة فترة إستمرار المعارك منذ تفجرها نهاية شهر فبراير الماضى (الصحافة 30/10/2003م), وتبعاً لذلك إشترطت الحركة نزع أسلحة الجنجويد كواحدة من 4 شروط أساسية من أجل العودة لطاولة التفاوض رفضتها الحكومة وأصرَّت عليها الحركة فتوقفت المفاوضات (صحيفة الخليج الإماراتية 30/10/2003م).

 

لقد أشار أندرو ناتسيوس رئيس الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بعد زيارة له إلى السودان ودارفور مؤخراً إلى أنَّ النزاعات المختلفة بدارفور قد أدى إلى قتل 7000 شخص وتشرد نحو 600 ألف آخرين منذ بدء تلك النزاعات مطلع العام الحالى (سودانايل 31/10/2003م), لكنَّ مصادر أخرى أشارت إلى أنَّ الحرب نفسها بين ثوار حركة تحرير السودان والقوات الحكومية قد تسبب في سقوط 3000 قتيل (صحيفة الخليج الإماراتية 24/10/2003), فإذا عرفنا أنَّ النزاعات الصغيرة لا تؤدى عادة إلى فقد كبير فى الأرواح فيمكن الإستنتاج بأن غارات قوات الجنجويد لوحدها قد أزهق ما يربو على 4000 نفس خلال العشرة أشهر الماضية فقط قد يكون معظمه تم خلال فترة الهدنة مما يؤكد تقديرات حركة تحرير السودان.

 

إنَّ الجانب المؤلم فى هذه القضية والمجازر التى تصاحبها عادة هى إصرارالحكومة على نفى حدوثها فى الوقت الذى تمتلئ به وكالات الأنباء العالمية وصحف الخرطوم كل صباح بأخبار مفزعة تحمل حصيلة ما تم من قتل ودمار وحرق للقرى خلال اليوم السابق, ولذلك فحتى نمكن القارئ من الإطلاع على حقيقة ما حدث من مجازر خلال فترة الهدنة, وإصرار الحكومة على نفى وقوعها, فقد حصرنا كل ما ورد فى الصحف السودانية والعالمية من أخبار تلك المجازر والإنتهاكات خلال فترة الهدنة فقط, وهى الفترة منذ توقيع إتفاقية الهدنة فى 3 سبتمبر الماضى إلى إنعقاد محادثات أبَّشى الثانية فى 26 أكتوبر, الشيئ الذى يدعم موقف الحركة فى رفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات ما لم يتم التوصل إلى بروتوكول لحماية المواطنين ونزع سلاح الجنجويد.

 

نورد أدناه قائمة موثقة بما تمكنَّا من جمعه, وننبه بصورة خاصة من أنَّ الأحداث المسجلة أدناه هى التى وردت فى الصحف أو وجدت طريقها إلى وكالات الأنباء فقط, لكن نعتقد أنها لا تمثل إلا رأس جبل الجليد الطافى, فكثير من الإنتهاكات لا تجد طريقها إلى مضابط الشرطة, وإن حدثت فإنَّ معظمها لا تجد درباً للصحف ووكالات الإعلام, وإن وصلت إليها فقد لا تنشرها مخافة السيف الحكومى المسلط على رؤوسها والتى رسمت خطاً أحمراً لا يمكن تجاوزها بالنسبة لأخبار دارفور, فكم من قرى معزولة بين الأودية والجبال أبيدت عن بكرة أبيها دون أن يشعر بهم أحد, ولذلك فإنَّ المعلومات التالية يمكن إعتبارها نماذج فقط لما حدث حقيقة:

* 3 سبتمبر: قتل 18 شخصا يوم الأربعاء 3/9/2003 في كندير شرق جبل مرة من بينهم أثنان من ضباط الشرطة وستة من أفرادها (الأيام 4/9/2003).

* 7 سبتمبر: أقرت حكومة شمال دارفور بوجود إشتباكات قبلية خارج إطار القوات المسلحة (الصحافة 9/9/2003).

* 11 سبتمبر: قتل 34 من الرجال والنساء والأطفال ونهب كميات كبيرة من الحيوانات والأموال وتشريد المواطنين بواسطة مليشيات الحكومة السودانية الجنجويد فى منطقة أدارة دار الحمرة, محلية ريفى كتم, يوم الخميس 11/9/2003, وتم تدمير 11 قرية هى حلة قوز, قرية عراشو, قرية مجيخا, قرية درم, قرية وسطانى, قرية أم فاقة, قرية واهب, قرية تيتا, قرية دبس, قرية جميولى, قرية دالنقا (موقع سودانيز أون لاين 14/9/2003).

* 12 سبتمبر: قتل 75 مدنيا يوم الجمعة 12/9/2003 في هجوم للجنجويد على سكان منطقة خشبة شمال ولاية كتم (الشرق الأوسط 15/9/2003).

* 14 سبتمبر: قتل 16 راعيا يوم الأحد 14/9/2003 في هجوم للجنجويد على منطقة أبو ليحا (الشرق الأوسط 15/9/2003).

* 18 سبتمبر: إعترف والى شمال دارفور بوجود اشكاليات أمنية ذات طبيعة مختلفة عن الصراع الذي كان دائرا بين الجيش السودانى وحركة تحرير السودان (أخبار اليوم 19/9/2003).

* 22 سبتمبر: طالبت حركة تحرير السودان المنظمات الدولية بتقديم مساعدات إنسانية فورية لمواجهة تدفق المجموعات البشرية إلى إحتمت بمناطقها فى جبل مرة ووادي صالح والطينة وشمال كتم وكبكابية ونيرتيتي بعدما أحرقت المليشيات التي تسلحها الحكومة (الجنجاويت) عددا من القرى فى يوم الأثنين 22/9/2003 (موقع الجزيرة نت 23/9/2003).

* 24 سبتمبر: نفى والى حكومة ولاية شمال درافور وجود حركة نزوح للمواطنين من مناطق جبل مرة ووادي صالح والطينة وكبكابية ونيرتتي إلى المناطق التي يسيطر عليها جيش تحرير السودان بدارفور كما نفى وجود هجمات على بعض القرى من مليشيات الجنجويد وأشار إلى أن الحكومة لا تسلح هذه الميليشيات، وقال إن ما ذكرته الحركة بهذا الصدد كذب وافتراء (صحيفة الخرطوم 25/9/2003م).

* 2 أكتوبر: قالت هيئة شورى قبيلة الداجو إن عدد من قرى القبيلة تعرضت لاعتداءات متكررة من الجنجويت فى بداية شهر أكتوبر جنوب وشرق نيالا أفضت إلى حرق 24 قرية تشتمل على 2200 قطية وإصابة 20 مواطنا بجروح فضلا عن نزوح 5000 مواطن إلى نيالا والقرى المجاورة، إلى جانب نهب 3000 رأس من الماشية (الصحافة 8/10/2003).

* 4 أكتوبر: نزوح مواطني 12 قرية فى منطقة كدنير بجنوب دارفور ولجوءهم بمنطقة الملم بسبب هجوم مليشيات الجنجويد (الأنباء 6/10/2003).

* 4 أكتوبر: تمكنت القوات المشتركة من الجيش والشرطة ((والفرسان)) من إلقاء القبض علي 9 متهمين بمنطقة نوقيا بولاية جنوب دارفور بعد تنفيذهم لإعتداء مسلح علي قوة من الشرطة كانت في طريقها من منطقة هبيلا إلي الجنينة وكانت تعمل علي حراسة مدير شرطة هبيلا (الحياة الخرطومية 6/10/2003).

* 6 أكتوبر: تبنت حركة العدل والمساواة مسئولية الهجوم على كلبس من أجل تدمير معسكر للجنجويد المحسوبة على الحكومة فى دارفور (صحيفة الخرطوم 7/10/2003).

* 7 أكتوبر: إعتداء قوات الجنجويت على قرية سنقطة بجنوب دارفور وحرق الجزء الجنوبي منها ونهب جميع ممتلكات الأهالى بها (صحيفة الازمنة 9/10/2003).

* 7 أكتوبر: إعتداء الجنجويت على قرية حلوق شرق نيالا راح ضحيتها 28 شخصاً (صحيفة الازمنة 9/10/2003).

* 7 أكتوبر: أعلن والي شمال دارفور رداً على سؤال حول ما تردد من هجمات تقوم بها مليشيات الجنجويد في دارفور قائلاً "الجنجويد إستنفروا ضمن الإستنفار الذي شمل كل القبائل لمعالجة الوضع في دارفور لكن المشكلة الآن ظهور أشخاص يدعون أنهم مع الحكومة ويقومون بشن الهجمات (الأيام 9/10/2003).

* 8 أكتوبر: أشار والي جنوب دارفور إلى وجود فئات منفلتة تمارس النهب المسلح والسرقات وبعض الصراعات القبلية المحدودة (الراى العام 10/10/2003).

* 12 أكتوبر: صرَّح على عثمان محمد طه النائب الأول لرئيس الجمهورية فى لقائه بنواب دارفور بالمجلس الوطنى بأن الحكومة الإتحادية ليست مسئولة عن الأمن فى دارفور (الرأى العام 13/10/2003).

* 12 أكتوبر: والى شمال دارفور يعترف بوجود قوات الجنجويد ويقول نعم هناك منفلتون من مختلف الجهات وعانينا منهم لفترة... والآن اعددنا خطة محكمة بامكانيات جيدة لملاحقة ومداهمة أي منفلت مستفيدين من جهات ذات صلة عبر محور اجتماعي وآخر دعوي (الرأى العام 13/10/2003).

* 12 أكتوبر: قامت مجموعة مسلحة من مليشيات الجنجويد بهجوم على 7 قرى بغرب دارفور يوم الجمعة 12/10/2003 أسفر عن مقتل 24 شخصاً ونزوح أكثر من 5 آلاف مواطن (البيان 14/10/2003).

* 12-13 أكتوبر: تعرضت قرية دامرة الشيخ عبدالباقي التي تبعد حوالي "13" كيلومتر غرب كتم شمال دارفور لإعتدائين متتالين من قوات الجنجويد يومي الجمعة 12/10 والسبت 13/10 أدى لمقتل 7 وجرح عدد من المواطنين ومن المجموعة المهاجمة (الرأى العام 16/10/2003).

* 13 أكتوبر: صرح أركو ميناوى الأمين العام لحركة تحرير السودان أن مليشيات القبائل العربية "الجنجويد" لا تزال تواصل هجومها على بعض المناطق بدارفور (الأيام 14/10/2003).

* 13 أكتوبر: تجنب مستشار الرئيس الامني الإشارة إلى مجازر مليشيات الجنجويد فى بيانه بالمجلس الوطني حول الموقف على الطبيعة وتقييم الأوضاع بدارفور بعد إتفاقية أبَّشي (أخبار اليوم 14/10/2003).

* 13 أكتوبر: قامت مليشيات مسلحة بالإعتداء على منطقة وادي صالح بولاية غرب دارفور يوم 13/10/2003 قتلت فيه 30 شخصاً, كما قامت مجموعات مسلحة أخرى بحرق 20 قرية وتشريد نحو 15 ألف مواطن (صحيفة الازمنة 15/10/2003).

* 14 أكتوبر: قتلت مجموعة مسلحة من الجنجويد يوم الأحد 14/10/2003م 5 أشخاص في منطقة شطاية بمحلية كاس بولاية جنوب دارفور منهم 3 مهندسين مساحة يتبعون لهيئة مياه جنوب دارفور كانوا يقومون باجراء مسوحات ميدانية لاقامة حفائر وخزانات في المنطقة (الرأي العام 15/10/2003).

* 14 أكتوبر: نفى العميد ركن طيار "م" أحمد أنقابو معتمد محلية كاس بولاية جنوب دارفور أن تكون قوات الجنجويد هى التى قامت بالهجوم على فريق من المهندسين كانوا يقومون بدراسة سد الكلكل بالمنطقة وإتهم مجموعة من مليشيات الفور وليس الجنجويد القيام بذلك (ألوان 16/10/2003).

* 14 أكتوبر: طالب نواب دارفور بالمجلس الوطني الحكومة بتوجيه الجهاز التنفيذي بالتصدي لحسم ظاهرة قوات الجنجويد والقوات غير معروفة الهوية بعد أن تبين قيامها بعمليات الضرب العشوائية المتعمدة وممارستها لعمليات النهب والسلب والتقتيل، مشيرين إلي أن عمليات قتل حدثت لثلاثين شخصا في غرب دارفور وحرق ست قري إضافة إلي عمليات ضرب حدثت في محلية كاس راح ضحيتها أربعة من المهندسين المساحين والإعتداء علي ثلاثة أشخاص في غرب شطايا (اخبار اليوم 15/10/2003).

* 14 أكتوبر: قال عضوالمجلس الوطنى بيتر إبراهيم أن أكثر من عشرين قرية فى منطقة كلبس قد تعرضت للحرق, وطالب الحكومة بتحديد هوية مرتكبي عمليات النهب والحرق في المنطقة (أخبار اليوم 15/10/2003).

* 15 أكتوبر: قضت محكمة بمدينة الفاشر في غرب السودان بإعدام 13 متهماً بتهمة قتل أثنين وحرق قريتي جغمة وجبرة بمنطقة دارفور بأقصى غرب السودان, كما نسبت إليهم إستخدام أسلحة غير مرخصة والزي العسكري في إرتكاب الجرائم, ومن بين المدانين مغنية تدعى مريم أزرق وكنيتها (الحكامة) وهي متهمة بإثارة حمية الرجال لإرتكاب أعمال القتل, وصدرت أحكام مماثلة بالإعدام على 150 في حوادث سابقة (رويترز 17/10/2003).

* 16 أكتوبر: فنَّد د. إدريس يوسف أحمد عضو المجلس الوطني عن الدائرة "76" شطاية الحماية بجنوب دارفور ما جاء على لسان معتمد محلية كاس والذي أشار إلى أن المهاجمين الذين إعتدوا على مهندسى المساحة في محلية كاس بالقرب من قرية شطاية من مليشيات قوات الفورغير صحيح مؤكداً بأن الذين إستشهدوا كان فيهم أفراد من الفور على رأسهم رئيس المحلية السابق ورئيس الوحدة الإدارية الحالية المرحوم محمد آدم والمواطن أبكر آدم جمعة وعدد من الجرحى, وأشار د. إدريس إلى أنهم حضروا لتوهم أمس من نيالا التي قدموا إليها في معية وفد من رئاسة الجمهورية للتعازي وزيارة الجرحى في المستشفى وبعض الناجين والذين أكدوا أن المعتدين يمثلون راكبي الخيول والجمال (ألوان 17/10/2003).

* 16 أكتوبر: أكد الأستاذ أحمد عبد الرحمن أبو لؤلؤ عضو المجلس الوطني الدائرة 75 جنوب جبل مرة أنه خلال شهر أكتوبر تم حرق ونهب قرية سقدة وقتل 9 من أفراد القوات المسلحة كماتم نهب قرية اوده وحرقها (الشارع السياسى 17/10/2003).

* 16 أكتوبر: شهدت منطلقة مورني غرب دارفور يوم الخميس 16/10/2003 نزوح خمسة آلاف مواطن جراء إعتداءات من قبل بعض لقبائل العربية, وذكر والي غرب دارفور اللواء سليمان عبد الله آدم إن المناطق المتضررة تقع في المناطق الجنوبية لمدينة مورني (الأيام 19/10/2003).

* 16-17 أكتوبر: قامت مجموعات مسلحة بهجوم على القرى فى محلية زالنجي يومي الخميس16/10 وصباح الجمعة 17/10 أدى لحرق 15 قرية ومقتل مائة شخص ونزوح 15 ألف نسمة من قرى وريسة، كربي، بنيرة، رتو، كرنقا، نارجيا، أدرا، دلول، دورو وحرازة وجونقو إضافة لقرى أخرى بالمحلية وتعرض الأهالي للنهب والسلب (ألوان 20/10/2003).

* 18 أكتوبر: أعلن والي شمال دارفور أن السلطات المختصة ألقت القبض على مجموعة من المتفلتين الذين يمارسون النهب المسلح وترويع المواطنين ورحلتهم إلى الفاشر توطئة للمحاكمة (الرأى العام 19/10/2003).

* 18 أكتوبر: أدى هجوم شنه مليشيات الجنجويد يوم السبت 18/10/2003 إلى مقتل 100 وجرح 15 وحرق 15 قرية ونزوح 15 ألف بمحلية دريسة التابعة لزالنجي غرب دارفور (الأيام 20/10/2003).

* 19 أكتوبر: أصدرت "رابطة أبناء دارفور فى دول الشتات" بياناً عن إعتداءات مليشيات الحكومة السودانية (الجنجويد) على ضواحى مدينة نيالا بجنوب دارفور نشرتها موقع سودانايل (19/10/2003), جاء فيه: قامت مليشيات الحكومة السودانية (الجنجويد) بأعتداءات متكررة على مجموعة من القرى التابعة لمحافظة  نيالا بجنوب دارفور فى الفترة من سبتمبر و حتى أكتوبر الجارى 2003 , حيث قاموا بقتل المواطنين وإغتصاب الفتيات، و حرق القرى، و نهب المواشى و الممتلكات الأخرى, و قد نزح من تبقى على قيد الحياة من سكان هذه القرى الى أطراف مدينة نيالا، حيث لا مأوى أو مأكل أو ملبس أو دواء لهم, هذه الجرائم تفاصيلها كالآتى:

أولاً: قتل 34 شخص فى القرى الواقعة شمال وغرب مدينة نيالا وهى قرى: تينقلانى، حلوف، تانجة، جرف، يارا، قسة أنجمت، تاما، عمار جديد. وفى قرية حلوف تم إغتصاب 4 فتيات فى سن 13, 14, 17, و20 سنة حيث تم حجزهن بمستشفى نيالا الملكى فى حالات بالغة الخطورة.
ثانياً: تم قتل 49 شخصاً وجرح 27 وحرق أكثر من 3000 قطية فى القرى الواقعة جنوب و شرق مدينة نيالا وهى قرى: أموري، كدم طوي، كيري، اقليري، فرنقو، أم تبلديات، زقلو، كبقى، أم جناح، ميرو، مريخة، تعاشا غرب، أم دريساي، أم ترينا الام، أم ترينا حلة أبوسن، أم زمام، عمار جديد، فاس كداب، حميضة، أم القري، ياوياو، دردمة، أرديبه، رهد تونوا. أما جملة الخسائر فكانت كالآتى: المعدات المنزلية المحروقة و المفقودة و الحلي الذهبية قدرت بحوالي 10000000 دينار, المواشى التى نهبت فقد بلغت 4500 راس من البقر و 2000 راس من الماعز و 1750 راس من الضان و 100حصان و 200 حمار و المبالغ النقدية 13000000 دينار.

* 19 أكتوبر: صرَّح الأمين العام للمؤتمر الوطني أن الأحداث التي تقع فى دارفور بين الآونة والأخرى بأنها فردية وتبدر من أطراف لا علاقة لهم بإتفاقية أبَّشى (الراى العام 20/10/2003).

* 20 أكتوبر: قامت مجموعة مسلحة من الأشخاص المجهولين بالهجوم على قرى ملية و كاس بجنوب دارفور وأحدثوا في ها أضراراً بالغة وأن قرية كاري أحرقت فيها حوالي 485 منزل وقرية كسيس50 منزلاً وقرية تاما 30 منزلاً و أن هذه القرى أحرقت ونهبت تمامأً وأن سكانها الذين ظلوا يفترضون الأرض ويلتحفون السماء (الشارع السياسى 23/10/2003).

* 25 أكتوبر: تعهد الرئيس البشير خلال لقاء مطول عقده بنواب دارفور أن الدولة ستبسط هيبتها في كل مناطق الإختلال الامني بدارفور و ستجمع السلاح من أيدي المواطنين بولايات دارفور وتعهد بحسم المليشيات الخارجة عن القانون والنهب المسلح وفرض هيبة الدولة في كل ولايات دارفور (الصحافة 26/10/2003).

* 25 أكتوبر: أعلنت المجموعة السودانية لحقوق الانسان برئاسة المحامى غازى سليمان عزمها إرسال فريق إلى دارفور في غضون الايام المقبلة للتقصي حول إنتهاكات حقوق الانسان التي ارتكبت إبان الاحداث التي شهدتها المنطقة, وأشارت إلى أن المجموعة سترسل لجنة حقوق انسان برئاسة ذو النون التجاني احمد وعضوية آخرين للتقصي حول الأحداث الدائرة في دارفور، موضحا أن المجموعة لا يهمها من إرتكب الانتهاكات التي جرت ولكن يهمها توضيح الحقائق (الصحافة 26/10/2003).

26 أكتوبر: حذرت مفوضية العون الانساني في السودان، من خطورة الاوضاع الانسانية بولايات دارفور غربي السودان، إضافة إلى عدم تمكن الحكومة والمنظمات الانسانية من ايصال المساعدات الانسانية الي المناطق المتأثرة في دارفور بسبب التجاوزات الأمنية من بعض المجموعات المسلحة ــ لم يسمها ــ من حين إلي آخر (الزمان: 27/10/2003).

 

من هذه الأحداث المؤسفة نلاحظ الآتى:

(1) إن القتل المتعمد مع الترصد وسبق الإصرار تتم بوتيرة متسارعة, خاصة فى وسط وشمال وغرب دارفور ومناطق جبل مرة, وكأن القتلة على لهف من أمرهم.

(2) تركزت المجازر كلها فى قلب ديار القبائل ذات الأصول الأفريقية وتتم معظمها بطريقة بشعة تصاحبها عادة تمثيل بالجثث وكأنَّ القتلة يتشفون من شيئ ما.

(3) الإستيلاء على الأرض من خلال حرق القرى حتى التراب وإجبار الأهالى المستقرين النزوح من الأراضى التى يقيمون فيها ظلَّ هدفاً ثابتاً بعد تحقيق المجازر التى لا تراعى رجلاً أم إمرأة, شيخاً أم رضيعاً.

(4) بعد حرق القرى عادة ما يصاحب ذلك تخريب موارد المياه وتسميم الآبار ودفنها بإلقاء جثث الحيوانات الميتة فيها ثم ردمها بعد ذلك.

(5) حرق المزارع وقطع أشجار الفاكهة بصورة تتعدى الحاجة لإستخدامها لعلف للحيوانات.

(6) تستر الحكومة على ما يجرى ومحاولة تعتيمها كلياً عن وكالات الأنباء, لقد أخبر صحفى بالخرطوم كاتب هذا المقال بأنَّ الحكومة قد أصدرت أمراً مشدداً للصحف بعدم الخوض فى قضية دارفور.

(7) كشف مدير المعونة الأمريكية لقتل 7000 شخص منذ بدء تفجر الصراعات فى إقليم دارفور هو أول تصريح يصدر من نوعه مما يؤكد تكتم الحكومة على مآسى دارفور.

 

والسؤال الذى يطرح نفسه الآن هو لماذا تتستر الحكومة على هذه الكوارث إلى الدرجة التى قد تتهمها مباشرة فى المشاركة فيها؟ ولماذ تفعل مليشيات الجنجويد ذلك؟ لقد صرح مدير المعونة الأمريكية بعد تفقده الأوضاع فى دارفور مؤخراً أنَّ ما تم فيها من قتل ودمار خلال الأشهر الماضية لم يحدث فى تاريخ دارفور منذ إستقلال السودان, ولكننا نزايد عليه بأنَّ ذلك لم يحدث لا فى تاريخ دارفور الحديث أوالقديم فحتى فترة الدولة المهدية, والتى سالت فيها دماء غزيرة بدارفور, كانت مقاومة معلنة بين القوات الرسمية للدولة المهدية وبعض القبائل التى خالفت سياسة التهجير ولم تتخذ طابع الحرب الأهلية السرية العلنية مثلما يحدث الآن.

 

سنقوم فى الأجزاء التالية من هذا المقال بإلقاء الأضواء على مليشيات الجنجويد, وسنتعرض للظروف التى أدت إلى نشأتها و تواجدها, ثم الأسباب التى تدفعها إلى إرتكاب هذه الممارسات المفزعة, وسنقرأ أهدافها والجماعات التى وراءها على خلفية وثيقتين هامتين وقعت فى أيدينا مؤخراً, ثمَّ نتعرض كذلك بصورة مقتضبة لدور الحكومات السودانية المختلفة فى السماح لهذه المليشيات بالتفرخ إلى حد الخروج عن السيطرة.

 

من هم الجنجويد؟

 

بالرغم من تواترها على ألسنة الناس وصفحات الصحف السيارة فى الآونة الأخيرة تظل كلمة "جنجويد" مبهمة المعنى, وبموازاة ذلك إجتهد بعضهم فى تفسير معنى هذه الكلمة الغريبة فمنهم من قال بأنَّها كلمة مركبة من حروف ثلاثة كلمات هى: جن, وجيم ثرى, وجواد, وهذه الكلمات مجتمعة لا تحتمل سوى تفسير واحد هو الإغارة والقتل والإبادة, لكن جاء فى ركن النقاش بموقع سودانيزأونلاين بالإنترنت أنَّ الكلمة لا تعنى شيئاً أكثر من إسم منسوب إلى قائد مجموعة عصابة مسلَّحة من العرب راكبى الخيول والجمال تأسست في الثمانينات بقيادة شخص يقال له حامد جنجويت, من قبيلة الشطية, خرج على الحكومة وعاث فساداً وقتلاً فى الأهلين حتى صار إسمه مرعباً ومنسوباً لكل فئة باغية طاغية تمارس القتل والحرق, وعلى هذا الأساس تحرف الإسم من جنجويت إلى جنجويد أو جانجويد كما تكتب فى مصادر الإعلام أحياناً, وصارت تبعاً لذلك تطلق على كل فصيلة مسلحة من العرب راكبى الخيول أو الجمال تقوم بتلك العمليات, ومن هنا جاء الوصف الحكومى لهذه المليشيات بالقوات الراكبة, لكن العالمين بثقافة القبائل العربية بدارفور يقولون بأن كلمة جنجويد طغى إستخدامها منذ فترة بعيدة, ربما منذ الستينات من القرن الماضى, ككلمة إستهجان لفقراء ومنبوذى الأعراب وكوصف للغوغائيين من شتاتهم الذين يعتمدون فى حياتهم على المهن الهامشية ويعانون من نظرة المجتمع الدونية لهم, وعلى كل, وبخلاف ذلك, فإنَّ مليشيات الجنجويد اليوم قد أصبحت لها القوة والمنعة بجانب الكلمة الحاسمة فى ريف دارفور, ودانت لها الأمور تقتل وتنهب حين تشاء وتفتك بمن تشاء, وحين تغيب سلطة الدولة, أو تتم تغييبها عن عمد وبقصد, يشيع قانون الغابة دون وازع من ضمير, لكن مهما تسامت درجات القتل وبشاعة التدمير تظل بعض الأسئلة مشروعة مثل لماذا هذا القتل أساساَ؟ وما هى المشكلة؟ وإذا كان الهدف النهائى هو إجبار الأهالى على الفرار والنزوح النهائى من أراضيهم فإلى أين يذهبون؟ وهل إطمئن المهاجمون من أى مساءلات محلية أم عالمية عن المذابح التى يرتكبوها؟ الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها تتطلب قراءة تاريخية لطبيعة الصراع السياسى الإقليمى حول دارفور خلال العقدين الأخيرين وإندياح إفرازاتها السلبية على الأمن المحلى بالإقليم على النحو الذى نشاهده اليوم.

 

الصراع الإقليمى وأثره على دارفور:

 

تتجلى هشاشة تركيبة الدولة السودانية الحديثة أكثر ما تكون فى طبيعة الصراع القبلى بدارفور وأبعادها الجيوسياسية المرتبطة بها, ويمكننا بكل ثقة من أن نقول إن جزءاً كبيراً من مشكلة دارفور فى العقدين الأخيرين تتعلق بالسياسات الداخلية والأهداف الإستراتيجية الخاصة للدول الثلاثة الكبرى التى تحيط بها وهى السودان وليبيا وتشاد, مع جرجرة ذلك لدول أخرى ذات تأثيرات أقل مثل مصر وأمريكا, بجانب نزاعات داخلية مختلفة إنعكست عليها سلباً مثل الحرب فى جنوب السودان بوجه خاص وجبال النوبة بدرجة أقل. وبينما تطورت الصراعات العنيفة بين ليبيا وتشاد ونجاحهما فى نقل ميدان ذلك الصراع بعيداً إلى دارفور منذ العام 1980م, نجد أنَّ الحكومات السودانية المتتابعة منذ ذلك الحين ظلت دوماً فى موقف المتفرج, أواللا مبالى لأكثر ما تكون, بالرغم من أنَّ الصراع يدور على أرضها ويهدد جزء من شعبها وأمنها القومى.

 

لقد كان العام 1980م عاماً مضطرباً بالنسبة لنظام الرئيس جعفر النميرى إذ بالرغم من إكتشاف شركة شيفرون الأمريكية للنفط حول منطقة بانتيو فى العام الذى قبله إلاَّ أنَّ الأوضاع السياسية والإقتصادية فى البلاد بمجملها أخذت فى التردى, صاحب ذلك تدخل ليبيا فى تشاد فى ديسمبر 1980م مما دفعت حكومة النميرى المطالبة بطرد ليبيا من جامعة الدول العربية, وفى غضون ذلك نزح نحو 2 مليون من التشاديين ولجأوا إلى دارفور, ثمَّ إندلعت أحداث عنف خطيرة بالفاشر مطلع 1981م, عُرفت "بإنتفاضة دارفور", ضد تعيين النميرى لحاكم لها من غير أبناء الإقليم, أدت إلى مقتل بعض الأشخاص ليتراجع النميرى على أثرها ويسارع بتعيين أحمد إبراهيم دريج حاكماً لدارفور, وهى المرة الأولى منذ العام 1916م, منذ مقتل السلطان على دينار, التى يحكم فيها دارفور واحداً من أبنائة. وبسبب تفاقم الأوضاع بالبلاد أحبطت الحكومة مخططاً لإنقلاب عسكرى قاده العميد سعد بحر وإتهمت قوى أجنبية من بينها ليبيا بدعم المحاولة دعا النميرى على أثره فى 31 مارس 1981م للإطاحة بالقذافى أو قتله.

 

لقد كانت لليبيا توجهات آيدلوجية عروبية للتوسع جنوباً وبنت على هذا الأساس إستراتيجية رصدت تشاد كهدف مباشر للسيطرة عليها تليها مناطق دارفورمن شرقها والنيجر من الغرب, ولعلَّ الهدف غير المعلن هو إزاحة العناصر الأفريقية من سكان هذه البلاد وإستبدالهم بعناصرعربية تتكامل مع التوجه العروبى القومى فى ليبيا ومد الحزام العربى فى أفريقيا جنوباً, تدعمها توجهات عروبية مماثلة فى دول أخرى مثل العراق وسوريا, وقد أدى كل ذلك إلى إنزعاج نظام النميرى ودفعته إلى تعزيز مساندتها لمصر على خلفية إتفاقية كامب ديفيد, تحصل النميرى بعدها على مساعدات عسكرية فى حدود 100 مليون دولار من حكومة الرئيس الأمريكى رونالد ريجان, ثم قامت هذه الدول الثلاثة, بجانب فرنسا, بدعم حسين هبرى, الذى تم تجهيزه وإعداده فى دارفور, لينطلق منها إلى إنجمينا ويطرد جوكونى عويدى رئيس تشاد الموالى لليبيا, ويسيطر على البلاد فى نهايات عام 1982م. لقد سبق ذلك إن كان هبرى متحالفاً مع جوكونى فى حكم تشاد وكان يشغل منصب وزير الدفاع, وسبق لهما أن تمكنَّا من خلال دعم ليبى من الإطاحة بالرئيس السابق فيلكس مالكوم لكن يبدو أنَّ ليبيا آثرت بعدها إزاحة الجانب الأفريقى, أى هبرى وجماعته, فى ذلك التحالف لصالح العناصر العربية مما فجَّر الخلاف خرج على أثرها هبرى وقواته ليتخذ من دارفور قاعدة معارضة دون إذن من الحكومة السودانية, بل كان بإمكان هبرى التجول فى أسواق الفاشر وأحيائه دون حسيب أو رقيب! ويورد شريف حرير وتريجى تفيدت فى كتابهما "السودان: النهضة أو الإنهيار" (1997م) أنَّ التركيب الإثنى للتحالف الحاكم فى حكومة هبرى كان مكوناً من قبائل السارا (جنوبيون مسيحيون) والقرعان (مجموعة هبرى) والزغاوة الهاجيراى وكلهم مجموعات غير عربية (صفحة 283), وإضافة إلى ذلك فإنَّ العداء القديم والمستحكم بين القذافى والنميرى جعل أى تفكير للأول للألتفاف على هبرى من جهة دارفور يبدو مستحيلاً, وكرد فعل لذلك أخذت ليبيا فى تبنى الحرب بالوكالة مستعينة بالمجموعات العربية التى خسرت السلطة فى تشاد فقام بتجنيدها ودعمها بالسلاح والمال, هذه المجموعات كانت تقيم على مناطق الحدود بين السودان وتشاد ولها علاقات دم تتداخل مع قبائل أخرى تقطن داخل إقليم دارفور وجلَّهم من قبائل مثل الجلول والعطيفات والعريقات والشطية والرزيقات الماهرية وبنى حسين وبنى هلبة, ومع غياب وجود الدولة السودانية لم يكن من الصعوبة تسلل تلك الأسلحة والأموال بسهولة إلى هذه القبائل. إلى ذلك أجبرت ضغوط قوات حسين هبرى جزء كبير من هذه المجموعات العربية بتشاد من العبور بأسلحتها وحيواناتها شرقاً إلى داخل دارفور ومن ثمَّ محاولتهم, ولو بالقوة, إيجاد موطئ قدم لهم على السفوح الجنوبية والغربية لجبل مرة وفى دار المساليت ومناطق وادى صالح.

 

ظلَّ هذا الوضع على ما عليه حتى سقوط النميرى فى 6 أبريل 1985م طارعلى أثرها القذافى إلى الخرطوم فى زيارة لم يعلن عنها إلاَّ قبل ساعة من وصول طائرته إليها, حاول خلالها, وعلى بث حى فى التلفزيون السودانى, إجبار اللواء سوار الذهب رئيس المجلس العسكرى الإنتقالى على التحالف الفورى بين البلدين, ولم يفلح, لكن تم إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مما إنعكس سلباً على العلاقات مع أمريكا وتوترها مع مصر حين رفض السودان المشاركة فى مناورات النجم الساطع العسكرية بين الدول الثلاث والتى بدأها نظام النميرى منذ عام 1980م, ثم تدهورت العلاقات أكثر مع أمريكا حين نصحت رعاياها فى أكتوبر من ذلك العام بتفادى السفر للخرطوم نسبة للوجود الليبى. لكن نفوذ الليبيين ظلَّ متصاعداً فأستغلوا عدم الإستقرار فى السودان مع إنشغال المجلس العسكرى الإنتقالى بالهجمات المتزايدة للجيش الشعبى لتحرير السودان لتعزيز خطوط أمدادهم إلى المعارضة التشادية والمجموعات العربية بدارفور, وأبرزها مجموعة الشيخ إبن عمر المكونة من العناصر العربية البدوية التى تتوزع مناطقها على طول الحدود السودانية التشادية, ويورد حرير وتفيدت فى كتابهما سابق الذكر أنَّه بينما تلقت هذه المجموعات الأموال والأسلحة تلقت مجموعات سودانية أخرى مثل المسيرية الزرق وبنى هلبة أسلحة مماثلة, إذ كانت الأسلحة رخيصة الثمن وتقوم المجموعات التشادية فى بعض الأحيان بمقايضتها للحصول على الطعام, لقد ذكر مدرس بمدرسة الجنينة الصناعية أنهم وأثناء إفطارهم الصباحى بالمدرسة أن أقبل عليهم أحد الملثمين على جمل يجر خلفه شيئاً محمولاً على عجلات ومغطى وأخبرهم دون تردد من أنَّه يريد أن يبيعهم ذلك الشيئ والذى كان مدفعاً هائلاً, ولمَّا أعرضوا عنه أنصرف لحاله مطمئناً وكأنَّ شيئاً لم يحدث, وعلى كل فقد وجدت الكثير من تلك الأسلحة طريقها بشكل غير مباشر لمجموعات قبلية أخرى خاصة فى جنوب دارفور بل وجنوب كردفان, ومن جانب آخر أصبحت دارفور مفتوحة للإستخدام الليبى الحر فى العبور إلى تشاد خاصة بعد الدعم المالى الكبير الذى قدمه القذافى لحزب الأمة لخوض إنتخابات عام 1986م (حرير وتفيدت صفحة 286) ضمنوا من خلالها تغاضى حكومات الصادق المهدى عن تحركاتهم إلى الدرجة التى أصبح وجودهم بدارفور أكثر سفوراً, زادت معها تدفق الأسلحة الحديثة الضاربة من قاذفات ومدافع وأسلحة أوتوماتيكية تفوق كثيراً ما عند الجيش السودانى نفسه, لقد أوردت التقارير حينها عن دخول 1000 من القوات الليبية إلى دارفور فى مارس 1987م لكنها إنسحبت بعد معالجات من الحكومة.

 

إنَّ أكثر الجوانب خطورة فى هذا النزاع هو أنَّ معظم القبائل العربية التشادية قد رحلت بمواشيها إلى داخل دارفور وأرادت أنًّ تتخذ لها دارات داخل ديار الفور الخضراء صاحبتها دعم ليبى بالسلاح والمال من أجل زعزعة نظام هبرى مقرون بشعار آيدلوجى أنَّ العنصر العربى قد أصبح السلطة المهيمنة على المنطقة بالأمر الواقع, وقد كانوا صادقين فى ذلك بسبب عجز كل من القوات المسلحة وقوات الشرطة السودانية من التصدى لهم أو حتى محاولة إعتراض تحركاتهم فى أرجاء الإقليم الواسعة, فتركت الحكومة السودانية دارفور لرحمة ربِّها, وبسبب علاقة الدم والقربى بين القبائل العربية الوافدة بإخوانهم القبائل المتوطنة فى دارفور فقد صاروا سودانيين بحكم تلك العلاقة ومرروا ذلك الشعار الآيدلوجى الذى وجد قبولاً رائجاً بين هؤلاء المتوطنين. وحقيقة فقد تنامى الشعور الآيدلوجى بين القبائل العربية بدارفور منذ وقت مبكر لكنه صار أكثر وضوحاً بعد تعيين أحمد إبراهيم دريج حاكماً لإقليم دارفور فى عام 1981م, إذ شاع فى الجو شعور بين أبناء الفور وكأنَّ سلطنة الفور التاريخية قد إنبعثت من جديد الشيئ الذى شكل حساسية بالغة ومشاعر قلق بين القبائل العربية مخافة تهميشهم وعدم تمثيلهم بإنصاف فى أجهزة الحكومة الإقليمية, وقد حرص دريج على تبديد ذلك الشعور إذ إستدعى كفاءات مقدرة من أبناء العرب بعضهم كان يعيش خارج السودان ليتولوا مناصب مهمة فى حكومته, كما إستحدث ولأول مرة فى تاريخ الإقليم إدارات ريفية للعرب الرحل إذ لم يكونوا يتمتعون بذلك من قبل, إلاَّ أنَّ كل ذلك لم يخفف من حدة القلق العربى خاصة مع تنامى الشعار العروبى المؤدلج الذى أتى من ليبيا, من ناحية ثانية, ولمقابلة تلك الآيدلوجية العروبية, حاولت عناصر من الفور رفع شعار الأفريقانية, أو"الحزام الأفريقى" فى مقابل "الحزام العربى" مما زاد من حدة الإستقطاب.

 

لقد أدت جملة من الأسباب فى تعميق ذلك الإستقطاب إلى الحد الذى إستدعى الإحتكام إلى السلاح فى أحداث ليس محلها, أولها إتساع حدة الحرب بين ليبيا وتشاد, فبعد إنفتاح دارفور أمام القوات الليبية وفيلق إبن عمر وجيش الخلاص الإسلامى, وهى مجموعات تدعمها ليبيا, أحسَّ نظام حسين هبرى بخطورة الموقف من جهة دارفور فخطط لهجوم عسكرى على ليبيا بحجة تحرير شريط أوزو الغنى بمادة اليورانيوم وسبق أن ضمتها ليبيا إلى حدودها, وقد تمكن هبرى وبدعم عسكرى من حلفائه من الدول من إلحاق سلسلة من الهزائم المنكرة بالليبيين وإجلاءهم عن ذلك الشريط, ومما زاد من حرج الموقف بالنسبة للقذافى هو وجود سرب من الطيران الحربى الفرنسى مرابط بصورة دائمة بتشاد صدته عن التفكير فى الهجوم مرة أخرى على تلك الدولة, وعليه فقد إعتمدت القيادة الليبية أكثر من ذى قبل على مبدأ الحرب بالوكالة وإستعمال العناصر العربية التشادية والدارفورية لزعزعة النظام التشادى, ثانياً إستغل أفراد القبائل العربية النازحة من تشاد فرصة توفر السلاح الحديث لديهم فشنوا غارات على مناطق الفور مات فيها خلق كثير, صاحبتها حرق وتدمير واسع للقرى لإجلاء الأهالى منها, ردَّ عليها الفور بحرق المراعى لحرمان حيواناتهم من الرعى, ثالثاً أستثمر هبرى إنتصاره على ليبيا والغطاء الجوى الفرنسى ليسدد ضربة قاضية ونهائية على فلول القبائل العربية المساندة لليبيا, ولاحقهم حتى داخل الحدود السودانية, بل وسعى إلى تسليح الفور للضغط على تلك القبائل ولمساعدتهم فى الدفاع عن أنفسهم ضد الغارات التى ظلت تتزايد بصورة مستمرة فإنداح السلاح بصورة أكثر وتيرة إلى دارفور, كذلك ساعد قرار المجلس العسكرى الإنتقالى بقيادة سوار الذهب تسليح القبائل العربية فى منطقة التماس مع جنوب السودان للدفاع عن نفسها ولدعم القوات المسلحة السودانية فى حربها ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان فى إنتشار السلاح بصورة أكبر وسط قبائل البقارة فى جنوبى دارفور وكردفان, إضافة لذلك تسرب قطع كثيرة من الأسلحة كانت الجبهة الوطنية السودانية قد دفنتها فى الصحراء منذ فشل حركة محمد نور سعد عام 1976م ووجدت طريقها لبعض القبائل بشمال دارفور, وبالفعل, والحال هكذا, صارت دارفور بمثابة ترسانة حربية مليئة بمختلف أنواع الأسلحة الحديثة التى كانت تنتظر أى إشارة مناسبة لتنفث حممها فى كل الأتجاهات فكانت حادثة الجفاف والمجاعة عام 1984-1985م سبباً كافياً لذلك.

 

لقد دفع الجفاف الذى ضرب الجزء الشمالى الكثير من القبائل, خاصة العرب الأبالة والزغاوة, للنزوح جنوباً, وربما تكون تلك الهجرات موسمية فى الأحوال العادية إذ إعتادت القبائل الرعوية التنقل فى مسارات موسمية تبعاً للأمطار وتوفر المراعى لحيواناتهم, لكن هذه المرَّة, ومع إشتداد الجفاف, فقد تحول النزوح إلى أستقرار دائم فى أو بالقرب من المناطق الندية, وهى ديار الفور حول جبل مرة بالتحديد, وتبعاً عليه تحول الإستيلاء على الأرض هدفاً ثابتاً خاصة للقبائل العربية النازحة ساعدهم فى ذلك إخوانهم حملة السلاح القادمين من تشاد, وطغيان الآيدلوجية العروبية, والشعور بالإستعلاء العرقى, فتحولت أرض دارفور الطاهرة إلى سلاخانة ضخمة تحت غياب تام للدولة السودانية. لكن للحقيقة يجدر بنا أن نوضح هنا أنَّ الجفاف والصراع على الموارد الطبيعية لا تمثل السبب الرئيسى الوحيد للنزاع المسلح حسب ما يتعلل به الكثيرون كسبب مباشر لأحداث العنف, بل نعتقد أنَّ السيطرة على الأرض ظلَّ هوالهدف الثابت والأساسى, ويدعم قولنا هذا إحصائيات الثروة الحيوانية بدارفور خلال العقدين الأخيرين, فبعد جفاف 1984م وإلى عام 1994م تضاعف أعداد الثروة الحيوانية بدارفور إلى 6 أضعاف ثمَّ وصل إلى 10 أضعاف فى عام 2002م مقارنة بإحصائية عام 1984م, وصارت دارفور اليوم تحتوى على قرابة نصف ثروات السودان الحيوانية من الأبقار والجمال والضأن والماعز, فأين تأثير الجفاف يا ترى؟ إذن السيطرة على الأرض بفعل الآيدلوجية العروبية هى التى ظلت تتم تحت غطائها كل هذا الدمار والمجازر التى تشهدها دارفور.

 

قيام التجمع العربى:

 

مع تنامى الآيدلوجية العروبية والدعم الليبى المتواصل, ثم تسلم الصادق المهدى لرئاسة الوزارة عقب إنتخابات عام 1986م, ساد شعور خاص بين القبائل العربية المتوطنة والمهاجرة بدارفور بأنَّ الحكومة المركزية السودانية صارت أقرب إليهم, زاد من ذلك نفورهم من الحكومة الإقليمية التى كان على رأسها الدكتور عبدالنبى على أحمد ثم خلفه عليها الدكتور التجانى سيسى محمد, وكلاهما من القبائل غير العربية, ليتبنوا موقفاً عنصرياً أكثر تطرفاً, ولذلك سعوا تحت التأثير الفكر العروبى المؤدلج إلى تكوين تحالف عربى عريض يشمل كل القبائل ذات الأصول العربية بدارفورأطلقوا عليه إسم "التجمع العربى" فى عام 1987م, ضمت 27 قبيلة عربية, خلافاتها وحروباتها فيما بينهم أكثر من غيرهم من سكان الإقليم ولا تجمعها فى ذلك التحالف إلاَّ عداوتها المعلنة للزرقة (القبائل الأفريقية), وقد أصدروا بياناً بشأن ذلك عُرفت ببيان التجمع العربى أعلنوا فيه أن نسبة العرب بين سكان دارفور تبلغ 40% ولذلك يجب أن ينالوا حقوقاً موازية فى السلطة والثروة, وطالبوا فيه كذلك بضرورة تغيير إسم الإقليم (دارفور) لأنه يحتوى على مدلول عنصرى لا تناسبهم, ومن هنا تعزَّز الوضع فى دارفور وتحوَّل بصورة لافتة إلى صراع آيديولوجى عنصرى بحت أخذت شكل مواجهة بين العرب والزرقة تطورت إلى ممارسات القتل والحرق على أساس عرقى بين العرب والفور إبتداءاً, ثم بين العرب والقبائل الأخرى ذات الأصول الأفريقية, خاصة الكبيرة منها كما هو مشاهد الآن, ونتج عنها مباشرة تطوير العرب لمليشيات الجنجويد كأداة عسكرية ضد الفور والتوسع فى الأرض ضد قبائل الزرقة.

 

لقد إرتكب الصادق المهدى خطأًّ فادحاً بصمته المطلق على تلك الفتنة العرقية بالرغم من إستنكار كل القوى السياسية لها, وقد ظنَّ الموقعون على بيان التجمع العربى أنَّهم بذلك قد نالوا رضا رئيس الوزراء فلم يستنكفوا عن خططهم برغم الإستنكار القومى الواسع, بل ومضوا فى تطوير برنامجاً طويل المدى, يشمل أيضاً القبائل العربية فى كردفان, من أجل السيطرة على كل غرب السودان ثم الحكومة المركزية, وتبنوا تنظيماً جديداً أطلقوا عليه إسم "قريش" يبدو أنه برنامج مرحلى متدرج لتحقيق أهداف خاصة بالعناصر العربية فى غرب السودان على نحو ما سنرى لاحقاً, لكن قبل ذلك نود أن نلفت النظر إلى حقيقة هامة وهى أنَّ الكثير من الجماعات العربية الواعية إستنكرت, بل وظلت مستنكرة لهذا الإتجاه العنصرى الذى يتم بإسمهم, كما نعلم أيضاً أنَّ منهم من إتخذ فعلاً خطوات عملية لإيقافها من التوسع وإنهائها حيث بدا لهم جلياً أنَّها سوف لن تضر إلاَّ أنفسهم وسكان دارفور أجمعين, ولذلك نرجو أن نقرأ الفقرات التالية بذات الفهم ولا نرمى بها كل المجموعات العربية بدارفور وكردفان, ونعتقد أيضاً أن الذين تبنوا فكرة التجمع العربى هم قلة من الأفراد, قد يشمل المتعلمين وأنصافهم من أبناء هذه القبائل, ونستبعد ضلوع الأدارات الأهلية فيها بالرغم من إعتقادنا أنَّ بعضاً منهم قد يكون إنجر وراءها جزئياً تحت ضغوط هؤلاء المتعلمين.

 

وثيقة التجمع العربى:

 

لقد وقع فى أيدينا صورة طبق الأصل من منشور سرى للتجمع العربى أرسلته هذه المجموعة لأعضائها وهى خالية التاريخ والمصدر والتوقيع, ربما قصد مرسلوها ذلك بسبب السرية, فلنقرأها أولاً ثم نعلق عليها:

 

سرى للغاية

 

السيد .................

إجتمعت اللجنة التنفيذية للتجمع لتقييم نشاط الأعضاء فى كل المجالات ودراسة توضع بعد تعيين وزراء الحكومة الإقليمية من الزرقة, وقد إستقر الرأى أننا لم ننال من مكانة بدارفور إلا بالكفاح والتصميم والتضامن وأنَّ هذه مرحلة دقيقة وصعبة لا يستطيعها إلا أولو العزم من الرجال, ولتحقيق أهداف التجمع قررت اللجنة العليا القرارات التالية:

-على أعضاء التجمع الملتزمين والذين أدوا القسم:

1- إثارة المتاعب فى طريق الحكومة الإقليمية لإقلاقهم وإستخدام كل الوسائل المتاحة حتى لا تتمكن الحكومة من تنفيذ سياساتها وبرامجها الإصلاحية.

2- العمل على شل حركة مرافق الخدمات بمناطق الزرقة وزعزعة المواطن وجعله يشعر بضعف الحكومة وعجزها عن توفير أبسط مقومات الحياة.

3- مضاعفة المتطوعين فى كل مناطق الزرقة لأن الواجب يحتم علينا عدم إستتباب الأمن ووقف الإنتاج بهذه المناطق وتصفية الزعماء.

4- العمل على خلق منازعات بين قبائل الزرقة حتى لا يكونوا متحدين.

5- على أعضاء التجمع الذين يشغلون وظائف قيادية الإلتزام بالآتى:

أ) تركيز الخدمات فى مناطق نفوذ التجمع ما أمكن ذلك.

ب) عدم وضع أبناء الزرقة فى وظائف ذات أهمية والعمل على وضع العراقيل أمام الذين يتبوأون وظائف إدارية وتنفيذية كلما سنحت الظروف.

ج) العمل بكل الوسائل والسبل لوقف إستقرار المدارس فى مناطق الزرقة.

 

سرى للغاية

 

التحليل:

 

(1) يبدو من نبرة هذا المنشور أنَّه يكون قد صدر فى منتصف عام 1988م بعد تعيين الصادق المهدى الدكتور التجانى سيسى حاكما لدارفور.

(2) تأكيد المجموعة تصميمهم على إفشال الحكم الإقليمى وتعطيل قدراتها فى تنفيذ المهام الملقاة على عاتقها.

(3) تعقيد الحياة فى مناطق القبائل الغير عربية (الزرقة) وتحويل حياتهم لجحيم لا يطاق.

(4) إطلاق يد الجنجويد لتدمير مناطق الزرقة بتدمير البنيات التحتية والخدمات وتصفية زعماء الإدارات الأهلية.

(5) خلق الفتن والإشكالات بين فئات القبائل الغير عربية والعمل على عدم توحيدهم حتى يمكن شل حركتهم لمواجهة القبائل العربية أو تطوير أنفسهم.

(6) تركيز الخدمات الإجتماعية ومشاريع التنمية فى مناطق العرب وحرمان الزرقة منها.

(7) تعطيل تقدم وتطور أبناء الزرقة فى مجالات الحكم والإدارة وحرمانهم من التعليم بكل الوسائل والسبل يشمل ذلك حرق المدارس والمؤسسات التعليمية.

 

لا أدرى كيف يفكر أى أشخاص بمثل هذا الفهم المبنى على الكراهية العنصرية البغيضة؟ وكيف يحلو لهم حرمان إخوة لهم شاركوهم الحلو والمر فى ذلك الأرض على مرالتاريخ؟ أنَّ دارفورمن الناحية الديموغرافية تقف على ساقين هما القبائل ذات الأصول الأفريقية وأولائك ذوو الأصول العربية وفى النهاية فإنهم كلهم مواطنون سودانيون متساوون فى الحقوق والواجبات وفرص الحياة والعيش الكريم, ومن الناحية الدينية فإنهم جميعاً من آدم وآدم من تراب, أولم يعلموا أنَّه ليس لعربى على أعجمى من فضل إلا بالتقوى؟ فكيف إذاً يسترخصون حياة الإنسان والبشر إلى الحد الذى يحرمونهم فيه حق الحياة؟ إنَّ الشيئ الوحيد الذى ربما يخفف من حدة الشعور بالألم والغثيان من عمق الأزمة هو أن هؤلاء المجموعة لا يمثلون السواد الأعظم من القبائل العربية وإنما قلة منفلتة ضاقت لهم أرض دارفور الوسيعة فصاروا يقيسونها بقدر عقولهم الضيقة.

هذه الأوضاع التى تمت خلال عهد الديمقراطية الثالثة جهزت الأرضية لنظام الإنقاذ لتحيلها لأشدِّ الفترات دموية فى تاريخ دارفور, وكما ذكرنا فى مقال سابق عن كيف إنحازت حكومة الإنقاذ للجماعات العربية بدارفور لدعم برنامجها الحضارى الإسلاموعروبى, ويعلم أهل دارفور جيداً عن إستلام مسئول نافذ كبير فى نظام الإنقاذ هو الآن فى حكم ربِّه لملف القبائل العربية وإشرافه المباشر لتفتيت ديار القبائل الكبرى وتثبيته للبطون والقبائل الوافدة التى إستولت على أراضى بتلك الديار بقوة السلاح, كما يعلم أهل دارفور جيداً سياسات الحكومة بتسليح مليشيات القبائل العربية وتدربيها فى معسكرات الدفاع الشعبى إلى الدرجة التى أصبحت الآن معترفاً بها حتى من بعض المسئولين فيها, وكيف إستغل الطيب إبراهيم محمد خير فرسان البقارة لإبادة حملة داؤود يحيى بولاد, حيث ما زالت نفس السياسات مستمرة إلى اليوم, فبعد هجوم حركة تحرير السودان الشهير على مطار الفاشر وتدميرها لعدد من الطائرات الحربية التى كانت تستخدمها الحكومة لقصفهم أعلن والى جنوب دارفور عن أنَّ المئات من فرسان البقارة قد أعلنوا جاهزيتهم للدفاع عن مدينة نيالا إذا ما تعرضت لنفس الهجوم, مما يعنى تجيير تلك القبائل للدفاع عن سياسات الحكومة حتى وإن كانت ظالمة بحق أهل دارفور.

 

إنَّ خروج نائبا البرلمان الدكتور فاروق أحمد آدم وعبدالجبار آدم عبدالكريم من حظيرة الجبهة الإسلامية القومية وإنضمامهما للحزب الإتحادى الديمقراطى عام 1988م شكَّل أبرز دليل على ضلوع الجبهة الأسلامية لتمزيق وحدة أهل دارفور, وقد أكَّدها كذلك خروج المهندس داؤود يحيى بولاد أيضاً بل ومحاربته لحكومة الجبهة/الإنقاذ, وبدلاً عن التبصر فى تحليل خلفيات ذلك الخروج, ومن قوى دارفورية مؤثرة, آثرت الجبهة طيهم فى ملف النسيان بل وتوصل الدكتورالترابى لإستنتاج مفاده أنَّ: "الإسلاميين من القبائل الزنجية صاروا يعادون الحركة الإسلامية, وعليه تهدف خطة الجبهة إلى تأييد القبائل العربية بإتباع الخطوات التالية: التهجير القسرى للفور من جبل مرة وحصرهم فى وادى صالح ونزع سلاحهم كلياً, وإعادة توطين الماهرية والعطيفات والعريقات (من القبائل العربية الأبالة) فى منطقة جبل مرة, وعدم إعادة السلاح للزغاوة وتهجيرهم من كتم إلى أم روابة (ولاية شمال كردفان) وتسليح القبائل العربية وتمويلها بحيث تكون نواة للتجمع العربى الإسلامى" (محمد سليمان محمد, السودان: حروب الموارد والهوية, صفحة 382). هذه السياسات وما تبعتها من تفتيت الإدارات الأهلية بفرض ما أسمته الحكومة بنظام الأمارة أدت إلى الأوضاع المريرة التى تعيشها دارفور اليوم, إنَّ الحكومة هدفت بتلك الخطة السيطرة على الأرض وتوزيعها على محاسيبها من القبائل, فتم ذلك بقرارات فوقية لم تأخذ فى حسبانها ثقافة الأرض وعلاقتها بحياة مختلف القبائل بدارفور, وخلال ذلك فهمت بعض المجموعات العربية من إستمالة الحكومة لها تشجيعها للإستيلاء على الأراضى حتى وإن تم ذلك على حساب أرواح الأبرياء سكان القرى, وفهموا كذلك إنَّ تلك الأراضى هى أراضى الزرقة حلال لهم مهاجمتها وإجبار أهلها على النزوح منها.

 

وثيقة قريش 2:

 

إنَّ ما يدعم قولنا هذا هو حصولنا على وثيقة على درجة عالية من السرية من وثائق برنامج قريش, وهو قريش 2, وهذا الرقم 2 يدعم وجود مخطط إستراتيجى ممرحل, لكل مرحلة رقم محدد, هذه الوثيقة, كسابقتها, من غير تاريخ أو مصدر معين وربما يكون مقصوداً إمعاناً فى السرية, فلنقرأها ثم نعلق عليها بعد ذلك.

 

قريش 2

سرى للغاية

النسخة رقم .....

بسم الله الرحمن الرحيم

"قل اللهم مالك الملك, تؤتى الملك من تشاء, وتنزع الملك ممن تشاء, وتعز من تشاء, وتذل من تشاء, بيدك الخير إنك على كل شيئ قدير"

صدق الله العظيم

كنا قد تناولنا فى قريش 1- ميلاد قريش جديد وبعض البرامج إلا أن التطورات التى تشهدها البلاد والمستجدات السياسية بأبعادها الداخلية والخارجية تتطلب وقفة تذكير بالأهداف ومراجعة الخطط وتعزيز الإنجازات فى سبيل تحقيق غايتكم السامية.

وكما تعلمون فقد حال الجعليون والدناقلة والشايقية بيننا وبين حكم السودان لمدة تناهز القرن, وهم مهما تدثروا بثياب العروبة, هجين أصبح عرقاً وثقافة جزء لا يتجزأ من النسيج النوبى المتمصر, وستظل تلك الفئة تتشبث بحكم البلاد إلى الأبد, إذ بلغنا أنَّ أطراف هذا الثلاثى قد أقسموا مؤخراً على أن تبقى السلطة تداولاً بينهم.

يمر قريش بمرحلة مخاض حرجة, والمطلوب من الجميع, وخاصة الطرفين, التسامى على الإنتماءات الفكرية والطائفية فى سبيل تحقيق الأهداف النبيلة والمحافظة على الإنجازات التى تحققت حتى الآن, وضرورة العمل الدؤوب لبلوغ الغايات التى نراها قريباً عبر الإلتزام بالتالى:

أ- الموعد العام 2020 على حد أقصي.

ب- الهدف قريش 20.

ج- الهدف المرحلى: ولايات الغرب الستة.

د- الخطط والبرامج والوسائل:

 

داخلياً:

1- إعطاء إهتمام خاص بالتعليم أفقياً ورأسياً وإعداد كوادر عالية التأهيل فى مختلف المجالات السياسية. والإقتصادية والإعلامية والأمنية والعسكرية.

2- إقامة مؤسسات إقتصادية.

3- الإنخراط الواعى فى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.

4- مواصلة خطة إظهار التعاون مع السلطة القائمة.

5- المحافظة على علاقات العمل القائمة مع بعض الشخصيات المحورية مع أبناء الثالوث فى قيادة الدولة.

6- التنسيق المحلى مع أبناء العمومة فى الوسط والشرق.

7- التأكيد على أهمية قبائل التماس وحث الدولة على المزيد من دعمها وتسليحها وتدريبها (الدفاع الشعبى, المجاهدين, قوات السلام).

8- حث جميع القادرين من الأهل للإنخراط فى قوات السلام.

9- المحافظة على قنوات التفاهم مع الدينكا.

10- التقيد التام ببنود عملية "شاهين" لجنوب كردفان.

11- إحتواء نذر الفتنة بين النهود والفولة ومناشدة الأهل فى أرجاء الوطن النأى عن الصراعات الداخلية التى تبدد الطاقات.

12- عدم إثارة موضوع البترول قبل إستخراجه الفعلى.

13- إحتواء آثار وتداعيات حادث نيالا فى أضيق نطاق والسعى للإفراج عن الفرسان.

14- تأمين المراعى الكافية للرعاة فى السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى.

15- محاربة الأعراف الخاصة بحيازة الأرض (حواكير, ديار, ... ألخ) بشتى الوسائل.

16- إبراز دورنا القومى فى التصدى للقبائل غير العربية فى الغرب كإمتداد طبيعى للتمرد.

17- توسيع فجوة الثقة بين المركز وأبناء القبائل غير العربية بدفع القيادات المنتقاة من أبناء الزرقة إلى المزيد من التطرف فى التعبير عن الظلم الواقع على الغرب ومجاراتهم بوعى فى النعرات الجهوية والعنصرية.

18- السعى للحصول على المزيد من المناصب الدستورية فى المركز والولايات.

19- الحفاظ على إنجازات برنامج الجاموس لغرب دارفور بتداعياته المحسوبة.

20- على الطريفى 2 والطريفى 3 مواصلة العمل لتمكين القرشيين فى دارفور.

21- الإستعداد لأى إنتخابات ولائية فى الولايات الستة.

22- الحرص على الإنضباط والنأى عن السلوكيات الطائشة كالحديث عن دولة البقارة.

23- ضرورة إهتمام القيادات بالإعلام الإيجابى.

24- ضرورة ترقية الأداء المالى لقريش.

25- تبقى القيادات البارزة من القرشيين فى المؤتمر الوطنى 3 من بين قريش 3, ووضع القرار حسب مقتضيات الحل.

 

خارجياً:

1- تقوية التنسيق والتشاور مع القرشيين فى دول الجوار.

2- تطوير التفاهم الإستراتيجى مع الجماهيرية على هدى ما إختطه البقلانى أصيل والشيخ إبن عمر.

3- تطوير برامج سباق الهجن والإستفادة منه فى توثيق الروابط مع الأشقاء فى دول الخليج, وبالله التوفيق.

 

"ونريد أن نمن على الذين إستضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين, ونمكن لهم فى الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون".

صدق الله العظيم

سري للغاية

التحليل:

 

(1) تعتبر المجموعة المكونة لتنظيم قريش مجموعة عربية تهدف للسيطرة على السلطة فى السودان على المدى البعيد وقيام دولة العرب عام 2020 بإستراتيجية تبنى على الآتى:

أ- مهادنة السلطة القائمة والإستفادة من الإمكانات للإستيلاء على مراكز القرار بحكم القبضة القوية من القبائل الشمالية (الجعليين, الشايقية والدناقلة).

ب- معاملة قبائل الجنوب وبخاصة الدينكا خوفاً من الدخول معهم فى مصادمات.

ت- معاملة أبناء النوبة وكل المجموعات الغير عربية متمردين وتشديد الخناق عليهم بإبعادهم وتصفيتهم.

ث- متابعة العمليات المسمى فى البيان فى جبال النوبة "شاهين" ودارفور "الفرسان" وذلك من أجل تفريغ هذه المناطق والإستيلاء عليها وإفساح المجال للعرب للهيمنة عليها.

ج- التحكم فى أى قرار بشأن المناطق المذكورة.

(2) تمثل السيطرة على الأرض وإحلال العرب مكان الزرقة الهدف الأسمى لهذه المجموعة ويدعم ذلك إسقاط ضمنى بإيراد تلك الآيتين فى صدر وعجز البيان من خلال تضمينهما لمبدأى أيلولة السلطة والخلافة فى الأرض.

(3) الإستعانة ببعض الدول العربية للمساعدة فى دفع هذا التوجه من خلال تنفيذ بعض البرامج كغطاء للمشروع الأساسى.

(4) السيطرة على كل غرب السودان, دارفور وكردفان, كمنطلق أولى للسيطرة على حكم السودان.

(5) عدم وجود أى محاذير بل إستخدام كل الوسائل بما فيها التصفية الجسدية وإبادة قبائل الزرقة للوصول إلى الهدف النهائى.

(6) يبدو أن الوثيقة صدرت بعد عام 1996م حيث أشارت إلى ولايات الغرب الستة ولم تكن عدد الولايات 6 قبل عام 1996.

 

أين الحكومة السودانية؟ وأين جهاز الأمن القومى؟ وهل الحكومة ورئيسها ونائبها الأول على علم بذلك؟ إن كانوا لا يعلمون فمصيبة, وإن كانوا يعلمون ولم يتحركوا فالمصيبة أكبر, وإن كانوا يعلمون ويتحركون لدعم ذات التوجه فذلك شيئ أعظم نعجز أن نصفه بالكلمات, ثمَّ ما ذنب الأبرياء الذين يذبحون آناء الليل وأطراف النهار فى دارفور؟ ماذا جنوا ضد الحكومة أم التتر الجدد حتى يقتلوا وهم الآمنون فى قراهم يتغنون لوطن إسمه السودان؟ وهل ينام هؤلاء القتلة ملء جفونهم يحسبون أنَّهم يفعلون شيئاً مقبولاً؟

 

جنجويد جبال النوبة:

 

لقد حدثت مثل هذه المذابح أيضاً فى جبال النوبة, وفى جنوب السودان من قبل, وظلَّ الهدف ثابتاً فى كل هذه الأحوال الثلاثة ألا وهو السيطرة على الأرض أو سياسة حرق الأرض بالنسبة للجنوب فى هجوم محموم لفتح تلك الأراضى لإكتشافات النفط, وكما نرى أعلاه فإنَّ مشروع قريش 2 يحتوى على تشجيع عمليات الجنجويد الميدانية والتى عرَّفوها بعمليات "الفرسان" بدارفور ضد قبائل الزرقة, وبعمليات "شاهين" بجبال النوبة ضد قبائل النوبة. لقد تعالت قريحة الحكامة .. ( شبالة بت العرب ) .. تنخي أولاد البقارة علي الإغارة وسلب ممتلكات النوبه في كردفان قائلة:

قايد
قايد الطوف..
يوم مر بالمجروس..
النوبة ديل
طلعوا الجبل فوق..
نشيل الجيم
نمشي ندلي الجوك..
... ... ...
قايد (أى قائد), المجروس (عربات النقل العسكرية), الجيم هو الجيم ثرى المعروف كسلاح فردي للمشاة في الجيش السودانى, والجوك هو نوع من الأبقار ذوات قرون طويلة إشتهرالنوبة والجنوبيون بتربيتها. وقد قام الأب فيليب عباس غبوش والرابطة العالمية لأبناء جبال النوبة مؤخراً بالشكوى للأمم المتحدة ضد تجاوزات الجنجويد بحق أهاليهم وطالبوا الحكومة السودانية بتعويض قدره 50 بليون دولارعن جرائم الإبادة العرقية التى مارستها فى منطقة الجبال, ففى إجتماع لهم بالسيد/ كارين براندركاست مساعد الامين العام للامم المتحدة للشئون السياسية ومساعدوه فى مكتبه بنيويورك يوم 6/11/2003م أبلغوه عن المظالم التى تعرض لها النوبة بوجه عام وطالبوا بحق تقرير المصير, ثم أصدروا بياناً بعد تلك الزيارة, نشرته موقع سودانايل بتاريخ 7/11/2003م, جاء فيه: "ولقد زود الوفد الامم المتحدة بتقارير كاملة عن ما يسمى بتنظيم قريش العربى وبعض اعضائها النشطين فى أروقة الحكومة والمنظمات والذين يعملون على ابادة المجموعات الافريقية, اى ما يسمونهم بالزرقة, واحتلال مواقعهم بحلول 2020م، مستغلين امكانات الدولة والمنظمات للتقوية وتأجيج الصراعات فى المنطقة. وقد أعتبر الوفد تلك المجموعة محدودة يجب ان يتم حسمها بعد التحرى حولها وتقديم مجرميها للعدالة العالمية". وذلك ما يتطابق تماماً مع الوثيقة التى أوردناها أعلاه.

 

الوضع الحالى لمليشيات الجنجويد:

 

مليشيات الجنجويد هى اليوم مليشيات عربية حكومية تقوم بدور مزدوج ألا وهما مساعدة القوات الحكومية فى حربها ضد ثوار دارفور من خلال تشكيل قوة مساندة لها, ثم تنفيذ دورها المنوط بها فى تصفية قبائل الزرقة والإستيلاء على أراضيهم كما هو مخطط فى برامج قريش وأهداف مجموعة التجمع العربى, وهم ينقسمون إلى قسمين قسم صغير بشمال دارفور يتكون من عدة مليشيات تابعة للقبائل العربية الصغيرة هناك وهم عادة ما يصاحبون كتائب الجيش السودانى, أشهرها تلك المجموعة التى إستباحت مدينة كتم فى 6 سبتمبر الماضى وعاثت فيها قتلاً ونهباً, ثم المجموعة الأكبر التى تتكون من مليشيات القبائل العربية بجنوب دارفور وهؤلاء يتصرفون وحدهم وبحرية كاملة, ويقال أنَّ عدددهم كبير إذ يبلغون نحو 5000 رجل يمثلون معظم قبائل البقارة, عدا قبيلة المعاليا فى بعض الروايات, ويتخذون من جبل كرقوا الحصين أقصى جنوب غرب دارفور معقلاً دائماً لهم ينطلقون منه للإغارة على مناطق وسط وغرب دارفور. هذه المجموعات بدأت تعمل خارج سيطرة الدولة مدفوعة بالبرنامج الآيديولجى وحده, وصاروا من القوة وشدة البأس بحيث لا توجد سيطرة لأحد عليهم إذ ظلوا خارج سلطة الدولة والإدارات الاهلية, لكن عندما فطنت إليهم الحكومة عفت عنهم مقابل إنخراطهم فى معسكرات إعداد خاصة أسمتها الحكومة "معسكرات التائبين" حيث تمَّ إستقطابهم إلى جانبها وأعدتهم للمشاركة فى تنفيذ أهداف محددة للجيش السودانى, وليس من المؤكد ما إذا كانت الحكومة قد وعدتهم بغض الطرف عن برنامجهم الإستراتيجى بإبادة قبائل الزرقة, لكن واقع الحال قد لا يشير إلا إلى ذلك. كما يقال أنَّ الحكومة تمنحهم رتباً عسكرية إسمية ورواتب مالية خاصة لقادة هذه المليشيات تعتمد على حجم القوة ودرجة خطورة المهمة المنوط بها, ويقال فى هذا الصدد أنَّ قائد القوة التى دخلت مدينة كتم, وهو شيخ قبيلة مشهورة فى تلك المنطقة, كان برتبة عسكرية إسمية لواء أركان حرب ومرتب شهرى قدره 20 مليون جنيه له ولأتباعه, كما أنهم لا يتبعون للسلطات المحلية وإنما يتلقون أوامرهم مباشرة من جهة ما بالخرطوم, قد تكون شخصية متنفذة, وهذا ما يفسر عجز حكام ولايات دارفور الثلاثة فى التعامل معهم بحسم, لكن من جانبها ظلت الحكومة تصر على سياستها المعلنة التى تنفى أى شكل من أشكال التعاون بين القوات المسلحة والمليشيات القبلية أو تورطها فى تسليح إنتقائى للقبائل.

 

لقد ورد فى كتاب حرير وتفيدت (1997م) إشارة إلى تقرير كتبه أحد المراقبين الأوربيين عن دور المليشيات القبلية فى المشكلة السودانية جاء فيه أنَّه "لأسباب إستراتيجية فقد رعت حكومة السودان إبادة قسم من سكانها المدنيين, فقد قتل عدة آلاف من السكان بواسطة المليشيات الحكومية, كما مات عدة آلاف نتيجة لغارات هذه المليشيات ومن المحتمل أنَّ الآلاف قد حرموا من المواطنة وإخذوا كرقيق بواسطة المليشيات بالتعاون مع القوات الحكومية" (J. Ryle, 1988), وبرغم من أنَّ ذلك يتسم قليلاً بالمبالغة إلاَّ أنَّ الحقيقة تظل أنَّ المليشيات قد حطمت حياة عشرات الآلاف من المواطنين فى جنوب السودان وجبال النوبة ودارفور.

 

ما هى الحلول؟ وهل هناك من مخرج لهذا النفق المظلم؟

 

حسناً فعل الدكتور حسن الترابى زعيم المؤتمر الشعبى بتأكيده على أنَّ الحكومة السودانية ضالعة فى تسليح بعض الأطراف بدارفور لجعل المواطنين يتقاتلون فيما بينهم, وجاء فى صحيفة الخليج الأماراتية أنَّ الترابى الذى كان يتحدث أمام المؤتمر الثاني لقطاع الطلاب بحزبه فى قاعة الصداقة صباح السبت 8/11/2003م قد: "إتهم الحكومة صراحة بتغذية الصراع الدائر في ولايات دارفور الثلاث، مشيرا إلى أن النظام الحاكم هو الذي يمد الميليشيات العسكرية هناك (الجنجويد) بالسلاح ليعتدوا على المواطنين حتى يخلو له الجو على حد تعبيره" (صحيفة الخليج الإماراتية، عدد الإثنين 10/11/2003م). ولا جديد فى ذلك فقد سبق أن تحدثنا عنه من قبل ودللنا عليه, لكن الجديد فيه أنَّه صدر عن الشيخ مما يعنى أنَّ مصدر الخبر موثوق به, فالرجل لا يزال لديه عيون وآذان داخل جهاز الدولة يحصون له فيها أنفاسها وسكناتها, مما يجعل من سياسات الحكومة ومؤامراتها كتاباً مفتوحاً أمامه, لكن وبالرغم من تصريحه الفاضح فإنَّ ذلك سوف لن يعفيه هو شخصياً عن مسئوليته المباشرة فيما حدث و يحدث أيضاً, إذ ظلَّ نافذاً وراء ذلك ومخططاً له منذ عهد الديمقراطية الثالثة, وعليه أن يجيب عن تساؤلات مهمة تتعلق بأسباب خروج قوى دارفورية شابَّة ومؤثرة من حزبه ودوره المباشر وراء ذلك, ومهما يكن من أمر فإنَّه, ومن خلال تصريحاته تلك, يمكن أن يكون "شاهد ملك" مهم ضد الحكومة فى حال وجود أى تحقيق دولى عن "جرائم ضد الإنسانية" تحدث فى دارفور, مثلما تم من قبل إزاء أحداث مماثلة جرت فى رواندا والبوسنة وكوسوفو بيوغسلافيا, ومعلوم أن عدداً من المتهمين فى تلك الأحداث إدينوا أمام محكمة العدل الدولية بلاهاى يقضون أحكاماً بالسجن مدى الحياة فى سجونها بهولندا. إنَّ الجرائم التى تحدث ضد الإنسانية, خاصة جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والإنتهاكات التى تتم بموافقة ضمنية أو مباشرة من الدولة, أصبحت اليوم من الجرائم العالمية الكبرى ولها محاكم خاصة وقوانين تعلوعلى سيادات الدول تشهد بسطوتها الضغوط والإغراءات التى تبذلها أقوى دولة فى العالم اليوم, وهى الولايات المتحدة الأمريكية, لإرغام الدول على التوقيع على محضر قانونى يستثنى تقديم جنودها لتلك المحاكم فى حال إتهامهم بإرتكاب تجاوزات بحق الإنسانية فى مغامراتها الحربية, وهى كثيرة على النحو الذى نشاهد.

 

وحقيقة فإنَّ الحكومة لم تقصر أبداً فى توفير شبهات تشى بضلوعها فى أشياء فعلتها بدارفور ولا تريد الكشف عنها, فمنع السفير البريطانى السيد وليم باتى من زيارة مدينة نيالا, حتى عقب حصوله على إذن بذلك وتوجهه للفاشر, ثم منع القائم بالأعمال الأمريكى في السودان السيد جيرارجالوتشي وممثلين آخرين في السفارة إضافة إلى ممثل لهيئة المعونة الامريكية من السفر إلى نيالا أيضاً, على الرغم من إصدار وزارة الخارجية السودانية تصريحا لهم بالسفر إلى هناك, لا تدل إلاَّ على شيئ واحد مفاده أنَّ الحكومة لا تريد تواجدهم فى تلك المنطقة, الشيئ الذى دفع القائم بالأعمال الأمريكى فى تصريح له لهيئة الإذاعة البريطانية إتهام بعض القبائل العربية بدارفور بتشريد المئات من الأسر بالإقليم (صحيفة الأزمنة 12/11/2003م), تبعه وصف أحد الدبلوماسيين المعنيين بالشأن السودانى للقتال فى دارفور بأنَّه: "تطهير عرقي (Genocide) يتمثل في تحطيم القرى تقوم به المليشيات العربية بدعم على ما يبدو من الحكومة" (الأضواء 14/11/2003م).


لقد عرضنا فى الحلقة الأولى من هذا المقال صوراً من جرائم الإبادة العرقية التى حدثت بدارفور خلال فترة الهدنة الأولى بين حركة تحرير السودان والحكومة السودانية, أوضحنا فيها كيف أنَّ الحكومة كفت أيدى الحركة عن القتال فى الوقت الذى أطلقت فيه أيدى الجنجويد تسرح وتمرح فى ديار القبائل كيفما شاءت, ثمَّ قمنا فى الحلقة الثانية بإلقاء الضؤ من قريب على مليشيات الجنجويد, أهدافها وتاريخها والظروف الجيوسياسية التى أدت إلى نشأتها, وخلصنا فيها إلى أنَّ هذه المجموعة تقوم اليوم بدور مزدوج: دعم الحكومة فى حربها ضد الحركة المسلحة بدارفور من ناحية ثم القيام بتنفيذ توصيات الأهداف السرية للتجمع العربى وبرنامج "قريش" بضرورة إبادة قبائل الزرقة
سعياً لقيام دولة العرب فى العام 2020م من ناحية أخرى. وطالما أنَّ لكل مشكلة حل, مهما إستعصى, فيجدر بنا أن نتلمس مداخل حلول لهذه الفتنة التى ضربت دارفور فى أخطر مفصل فى وجودها ألا وهو محور العلاقات القبلية والتعايش السلمى بين مكونات وكيانات سكانها الذين عاشوا فى تناغم وإنسجام لأكثر من ألف عام قبل أن ينفلت شيطان الفتنة من عقاله فيحيل أرض دارفور الطاهرة بالإسلام والمزيَّنة بسبحة اللالوب وألوان الشرافة إلى دم وخراب ودمار.

 

الحلول الممكنة لإطفاء فتنة الجنجويد ودور الأطراف المختلفة فى ذلك:

 

نعتقد إبتداءاً أنَّ مشروع أى حل لفتنة الجنجويد خاصة, والنزاع القبلى بدارفور عامة, لا يقتصر على جهة واحدة بعينها وإنما تتعدد فى مستويات ذات أبعاد مختلفة, فهناك بعد دولى وبعد قومى وآخر محلى ولكل من هذه المستويات واجبات محددة فيما يختص بالسيطرة على الأمور بالإقليم, هذه السيطرة لا نعنى بها التحكم الأمنى فقط فذلك شيئ يظل مفعوله مثل مفعول حبة الأسبرين الذى يُسكِّن الألم لفترة ما والأطباء يعلمون أنَّ وراء ذلك الصداع ما وراءه من عطب آخر فى الجسد, لكن يجب أن تشمل الحلول الأبعاد الإستراتيجية والمتجددة المنافع والتنمية المستدامة فذلك ما يبقى أما الزبد فيذهب جفاء, وسنحاول فى النقاط التالية سبر دور كل جهة فى رفع هذا البلاء الذى تتعرض له دارفور.

 

(1) رئاسة الجمهورية:

 

لا نحسب أنَّ الفريق البشير رئيس الجمهورية غير معنى تماماً بالأمور التى تحدث بدارفور, فهو كرئيس للجمهورية, يتعامل مع الأجهزة المؤسسية التى ترسم له المقترحات والسياسات المختلفة, وإذا كان هناك فساداً فى سياساته نحو دارفور فنعتقد أنها من صنع الحاشية التى تحيط به, وما أكثر فساد رجال الحاشية فى القصر الجمهورى فى تناولهم لقضية دارفور, فقد ذاق الأهالى هناك الأمرِّين منهم, خاصة خلال عهد النميرى, ويعانون منها الآن فى عهد البشير.

 

ولكى يكون الرئيس واثقاً من سداد الرؤى التى تقدم إليه بخصوص قضية دارفور, والجنجويد جزءاَ منها, يجب أن يكون لديه مستشار خاص بشئون دارفور, يكون من أبناء الإقليم عالماً ببواطن الأمور وشئون القبائل, مدركاً للأثر التاريخى للإدارة الأهلية فى تاريخ دارفور وثقافة القبائل فيها, يقدم إليه النصح السديد ولا يحرجه محلياً وقومياً وعالمياً مثلما يحدث الآن, ومع إقتراب الوصول إلى السلام يجدر بالرئيس أن يبتعد بقدر الإمكان عما يعكر مزاجه ويضعه فى مواقف التوتر, وهذا يتطلب التركيز بوعى وحكمة لمعالجة قضية دارفور وهى ليست بذات السهولة كما قد يتصور قصيرى النظر.

 

(2) الحكومة الإتحادية:

في عمود كلمتها اليومية بتاريخ الأثنين 10/11/2003م, أوردت صحيفة الأيام التعليق التالى عن أحداث زالنجي الأخيرة, وقالت: "إنَّ الموقف جد خطير في الإقليم وأنه يحتاج إلى علاج سريع تتولاه الحكومة المركزية بنفسها عن طريق القوات المسلحة لتضع حدا لنشاط هذه الجماعات المنفلتة التي تهدد حياة المواطنين وتقوض وجود الدولة في الإقليم. لا بد من أن تتولى القوات المسلحة زمام الأمور وتتعقب الجناة وتجردهم من سلاحهم لأن مجرد وجودهم بهذه الصورة يخلق منهم دولة داخل الدولة وهو وضع يجب أن ترفضه الحكومة تماما وتتخذ حياله الخطوات العاجلة والناجعة" (صحيفة الأيام 10/11/2003م). لكنَّ النائب الأول لرئيس الجمهورية على عثمان محمد طه فجع أهل دارفور ونوابهم بالمجلس الوطنى عندما خاطبهم أمسية الأحد 12/10/2003م, حين قال (يا أخواننا دعونا نكون صادقين ونواجه مسؤولياتنا فإن الأمن في دارفور ليس بقضية الحكومة الإتحادية!!... كفانا مزايدة وصياحا في الاعلام ورميا للاشباح وبحثا عن الشماعات, القضية ليس حلها في الخرطوم القضية حلها هناك في كل محلية وفي كل منتجع وفي كل مؤتمر قبيلة وفي كل مقر ومدينة)!! تباً لك يا إبن الخطاب و"والله لو عثرت بغلة بأرض العراق لسئل عنها عمر"! وهناك فى دارفور أبرياء يموتون بالآلاف ولا يسمح لهم حتى بالبكاء, أو حتى بمواراتهم الثرى كما فعل ذلك الغراب بجثة هابيل, إنَّ أقل ما يمكن أن يوصف به حديث النائب الأول هذا هو عبارة "رمتنى بدائها وإنسلت", وهى مداراة صريحة لواقع الحال ومخالفة للتقارير التى تترى كل يوم من داخل وخارج البلاد تؤكد تورط النظام مع مليشيات الجنجويد العربية فى حملات الإبادة البشرية المنظمة, هل النائب الأول ورهطه من جماعة الإنقاذ متورطين فى مؤامرة يستهدف دارفور وأهله؟ الناس هناك لا يؤمنون فقط بذلك بل وموقنون بحقيقتها ويؤكدون أنَّ النائب الأول أنما يواصل فقط ما قام به سلفه فى إشعال الفتنة!

 

هنا تتجلى دور الحكومة فى حل كارثة الجنجويد, فى أمرين لا ثالث لهما, ولا داعى للنكران والمداراة, إما أن تعلن مسئوليتها المباشرة عن هذه الفئات المارقة فتجمعهم وتنزع أسلحتهم وتجرى تحقيقاً لما قاموا به من تجاوزات وتعتذر للضحايا من الأهالى المسالمين مع تعويضات قانونية, وإما أن تعلن عن خروج الجنجويد عن طوعها فتشعلها حرباً عليهم وتطلق يد القوات المسلحة فيهم وتطبق عليهم عقوبة حدِّ الحرابة المنصوص عليها فى القرآن الكريم. ببساطة الكرة حول هذه المسألة فى ملعب الحكومة وعليها أن تتحرك الآن قبل الغد وإلاَّ فإنَّ أصحاب القبعات الزرقاء سوف ينزلون بطائراتهم فى مطارات الفاشر ونيالا والجنينة, وسيجوبون قرى وفيافى دارفور, وبيدى فعلت لا بيد عمرو.

 

(3) الحكومات الولائية:

 

أستغرب كثيراً حينما أقرأ تصريحات حاكم جنوب دارفور الفريق آدم حامد موسى و تبجحه الفارغ دوماً عن إستقرار الحالة الأمنية فى ولايته مقارنة بولايات دارفورالأخرى, لكن واقع الحال يكشف زيف ذلك إلى الدرجة التى يمكن وصف تصريحاته حول الحالة فى ولايته بالمقولة المصرية "البرَّة هلاَّ هلاَّ والجوة يعلم الله"! والسبب جد بسيط فإذا كان الأمر كما يقول سعادته فلماذا تمنع الحكومة زيارة السفراء والأجانب لحاضرة ولايته؟ إنَّ فى الأمر لشيئ خطير ومدفون فلقد بلغنا مؤخراً أنَّ الأهالى هناك يتحدثون عن وجود قوات وعناصر عربية أجنبية جاءت من موريتانيا ومالى والنيجر وليبيا تمَّ تجميعها فى معسكرين كبيرين, أحدهما بالقرب من مدينة عد الغنم بدار بنى هلبة والأخرى غرب مدينة كبم على مقربة من الحدود التشادية, فما السر والغرض من إستجلاب تلك العناصر الأجنبية وتسكينهم فى معسكرات محمية بقوات الحكومة؟ هل لتوطينهم فى مشروع تعريب دارفور, أم لتهديد الرئيس التشادى إدريس ديبى إذا ما أراد اللعب بذيله؟ الإجابة عن ذلك متروك لسعادة الوالى, هذا بخلاف مجازر قوات الجنجويد التى أحالت المناطق المحيطة بنيالا ومناطق كاس وأطراف جبل مرة إلى بقع جرداء لا حياة فيها, ولذلك كان خوف الحكومة عظيماً أن ينكشف ذلك للإعلام الخارجى إلى الدرجة التى رفضت فيه للسفير البريطانى من الإستمرار فى زيارة للإقليم بدأها بمدينة الفاشر, ولمَّا همَّ بالمغادرة إلى نيالا القريبة تم منعه! ونتيجة لذلك أصدرت السفارة البريطانية بالخرطوم بياناً حول ملابسات الحادث, والظن أنَّ السفير البريطانى قد أبدى شكوكه حول الأمر للقائم بالأعمال (السفير) الأمريكى, فقرر الأخير هذا التأكد من ذلك وطعن الفيل مباشرة فى جسمه وليس ظله فطلب السفر مباشرة إلى نيالا (بالدرب العديل) فتم منعه أيضاً!

 

أما حاكم شمال دارفور السيد عثمان محمد يوسف كبر فقد ظلَّ يتحدث كثيراً بسبب وبدون سبب, وكلها أحاديث يجافى واقع الحال والناس, لكن عليه أن يكشف عن مضمون تقرير القاضى المستقل عن مجزرة كتم, فهو قد أمر بإعدادها وهو الذى إستلمها, وهو الذى ما زال يخفيها.

 

إنَّ أحد مشاكل حكام دارفور مع أهلهم هو أنهم معيَّنون من جانب رأس الدولة الفريق البشير, وأنَّه قد تم إختيارهم بحكم موالاتهم للنظام وقابليتهم لتنفيذ سياساتها حتى وإن تعارض ذلك مع مصالح أهلهم, ودائماً ما يصيبنى خاطرة كلما أتابع تصريحاتهم فى الصحف وأكاد أحس بأنَّ لديهم شعور يتقمصهم بأنَّهم مجرد موظفون يؤدون واجبات محددة لحكومة الخرطوم وليسوا حكاماً بالمعنى السائد لكلمة الحاكم, ويتساءل الكثيرون عن سبب تنكر هؤلاء الناس لمسئولياتهم الواجبة تجاه أهاليهم؟ ولماذ الإنكار المتكرر عن عدم حدوث مجازر, وأنَّ الأمور عال العال يافندم؟ هل يحس هؤلاء الحكام بمعاناة أهلهم الذين يرزحون تحت وطأة كذبهم المتكرر ومجاراتهم لمتسلطى الخرطوم؟ وهل يعلمون أنَّهم إنمَّا يمثلون هؤلاء الغلابة الذين يتحدثون بإسمهم؟ ولذلك نفر الناس منهم, فقد حدثنى أحد الإخوة أن والى شمال دارفور قال لأهل الفاشر "أنا عارف إنتو ما عايزنى, لكن أنا قاعد وما فى واحد منكم يقدر يشيلنى"!! ما النفع وراء حاكم كهذا؟

 

على العموم يجب على حكام دارفور أن يكونوا صادقين مع أخوانهم وأخواتهم من سكان الإقليم, فالرائد لا يكذب أهله, وكرسى الحكم مسئولية أمام الله قبل أن يكون أمام البشير, ولعلَّه من الأوجب للحكام أن ينزلوا إلى مستويات الشعب وأن يستمعوا إليهم ويتحسسوا آلامهم ويداووا أوجاعهم فتلك روح القيادة, ثمَّ إنَّ عليهم أن يقرأوا تاريخ دارفور جيداً ويحاولوا إستنباط الحلول من تراث الإدارة الأهلية الغنى التى حزمت أمر الإقليم لأكثر من خمس قرون قبل أن يأتى غرباء عنها يعبثون بها, كما إنَّ عليهم أيضاً أن يعوا بثقافة الإستقالة والتى صارت أندر من لبن الطير فى عهد الإنقاذ, فإذا شعروا بأنَّ هناك أموراً تفرض عليهم من علٍ فالرزق ليس محصوراً فى كرسى الحكم ونظام الإنقاذ, فهم قد عاشوا قبلها وسيعيشون بعدها, لكن بالشرف والكرامة بدون عقدة الضمير.

 

نعتقد أنَّ هناك مسألة أخلاقية تقع على عاتق حكام ولايات دارفور وأجهزتهم الحُكمية تتمثل أولها فى بسط الأمن على سائر أرجاء الإقليم وجعل الناس يشعرون أنَّ هنالك حكومة إسمها حكومة السودان, فما عاد ذلك ممكناً فى ظلِّ أوضاع القتل والنزوح اللتان تحدثان الآن, تلك أولى خطوات الحل وأهمَّها على الإطلاق, ويجب عليهم أن يضعوا خطة أمنية متكاملة يتقدمون بها إلى الحكومة الإتحادية بضرورة تفعيل القوات المسلحة للسيطرة على قوات الجنجويد. من ناحية ثانية عليهم تفعيل الإدارة الأهلية, وحسناً سمعنا بأنَّ هناك خطة لعقد مؤتمرلقيادات الإدارة الأهلية بالإقليم بمدينة نيالا بعد عيد الفطرالمبارك, لكننا نرجو, ونحذِّر, ثم نحذِّر, ثم نحذِّر من محاولة توجيه ذلك المؤتمر للبصم على سياسات الحكومة الجائرة على دارفور, أو توجيهه لإتخاذ مواقف معادية من الحركة المسلَّحة التى تناضل من أجل إنتزاع حقوق الإقليم, ونرجو من حاكم ولاية جنوب دارفور خاصةً أن يتحلى بالحكمة والموعظة الحسنة, فقد سبق وما زال لديه مواقف حادة ضد هؤلاء الإخوة حملة السلاح, وظلَّ يتحسس مسدسه كلما سمع بإسمهم, وليس فى ذلك شيئ من حكمة القيادة أو الحكم, هؤلاء الإخوة لم يعرف عنهم إرتكاب مجازر وتصفية عرقية, وحربهم ضد الحكومة ظلَّ على الدوام كتاباً مفتوحاً مقروءاً, وعليه نتمنى أن ينعقد ذلك المؤتمر فى إطار بيت دارفور الكبير الذى يجمع ولا يفرق, ويبنى ولا يهدم, ويجبر ولا يكسر, وقبل هذا وبعده يجب على هؤلاء الحكام وأجهزتهم أن يعوا بأنَّهم من أهل ذلك البيت الكبير, وإن إحتموا اليوم بسلطان الحكم وتوشحوا بردائه فإنَّ مآلهم غداً هو أن يكونوا بين ذات الناس الذين يحكمونهم الآن وسيأكلون الطعام مثلهم وسيمشون بين أسواقهم, وحينها تكبر وتعظم كلمات مثل "شكراً" و"بارك الله فيك" بدلاً عن لعنات أخريات مثل "الله يلعنك", وأهل دارفور يمكنهم أن يقولوا ذلك ب 29 لهجة مختلفة, فإحذروا!

 

(4) أبناء دارفور بالحكومة الإتحادية:

 

قام الدكتور أحمد بابكر نهار وزير التربية والتعليم الإتحادى, والمهندس عبدالله على مسار حاكم ولاية نهر النيل, وكلاهما من أبناء الإقليم, بزيارة مواقع حركة تحرير السودان بمناطق شمال دارفور, وإمتدت زيارتهم بصحبة وفد كبير نحو شهر, فى محاولة للتوفيق بين الحركة المسلحة والحكومة السودانية نحسبها قد هيأت الظروف لإنعقاد مفاوضات أبَّشى الأولى للتوصل لهدنة وقف إطلاق النار بين الجانبين, كنَّا نتمنى, بل ونظل نرجو, أن لو قام السيد عبدالحميد موسى كاشا وزير التجارة الخارجية, والسيد يوسف تكنة وزير التعاون الدولى بصحبة وفد كبير من أبناء القبائل العربية بجنوب دارفور, بزيارة إلى مناطق أهليهم والتحدث إليهم ومناشدتهم بضرورة دعم مبادرات السلم وتعزيز سمات التعايش السلمى بين كل قبائل الإقليم, لو حدث ذلك وأخريات مشابهة لهدأت الخواطر قليلاً ولإنفتحت آفاق الحلول, ففى ساعة الغضب ونفور الدم يتوقف العقل وينشط الشيطان ولذلك كانت نصيحة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بضرورة إطفاء نيران الغضب بالوضوء أو تغيير وضع الجسم, ولا ندرى إن كان فى نظريات علوم السيكولوجى اليوم مثل هذه الوصفة الطبية الهامة.

 

بعض أبناء دارفور المشاركين فى أجهزة الحكم المركزى وقيادة الحزب الحاكم متهمون ليس فقط بالتخلى عن قضايا أهاليهم الغلابة بل وبالعمل ضد تطلعاتهم فى حياة كريمة وعيش آمن, هؤلاء الإخوة يجب أن يعلموا ذلك, ويجب أن يعلموا أيضاً أنَّ "العرجا لى مراحها", وأن يعملوا وفق ذلك أيضاً, ومهما فشلوا فى محاولاتهم فإنَّ الناس سيقدرون ذلك لهم, فبالتأكيد أنَّ هناك سقوفاً محددة فوق رؤوسهم لا يستطيعون تجاوزها, لكن سعيهم على أى حال سيكون مشكوراً, إنَّ إنقاذ روحاً واحدةً بريئةً من قتل جائر لفيه حياة للناس جميعاً, كما ذكر خالق الأرواح فى محكم تنزيله, وطالما أنَّ هؤلاء الإخوة مشاركين فى الحكم بمستويات ومهام مختلفة فإنَّ لذلك مسئوليات أخلاقية كبيرة تستوجب مراعاتها, مثل تقديم النصح والمشورة لمتنفذى النظام الذين لم يعرفوا عن دارفور إلا ما روتها لهم جداتهم, بل من المفيد أيضاً أن يُكوِّنوا مجلساً إستشارياً خاصاً تكون مهمته تقديم الإقتراحات ومداخل الحلول المنبثق من, والمرتكزعلى, ثقافة أهل دارفور وتراثهم بدلاً من ترك قيادة الدولة تبغى فى هيجانها دون حكمة أو معرفة بواقع الأمور. على العموم هذا موضوع شائك قليلاً يتعلق بمدى فهم أبناء دارفور الذين يُشركون فى السلطة المركزية لدورهم تجاه دارفور وأهاليهم نتمنى أن نتناوله فى مناسبة أخرى.

 

(5) أبناء دارفور بالمجلس الوطنى:

 

بالرغم من حلكة الظلام تظل مبادرات نواب دارفور بالمجلس الوطنى علامات مضيئة, ومهما إختلفنا مع التوجه السياسى للكثير منهم إلاَّ أنَّهم ظلوا يتحركون على قدر المتاح لهم من المساحة, ولعلَّ إنسحابهم من إجتماع المجلس الوطنى فى الثانى والعشرين من شهر أكتوبر الماضى كان لافتاً و شكلَّ لفت نظر لتفاقم الأوضاع الأمنية بولايات دارفور واحتجاجاً على عدم تضمين موضوع دارفور ضمن أجندة البرلمان الطارئة, ولعلَّ لقاءهم مع رئيس الجمهورية بعد ذاك الحدث قد أعطتهم فرصة ليوصلوا همومهم وهموم أهلهم لأعلى قيادة الدولة بعد فجيعتهم قبلاً بحديث النائب الأول آنف الذكر.

 

كما يُثمِّن أهل دارفور أيضاً النشاط الإعلامى الواسع الذى يعكسه هؤلاء النواب فى تبصير العالم بحقيقة ما يجرى فى مناطقهم من أحداث, وحقيقة فهم الصوت المعبر عن هموم من يمثلونهم, ومن هذا المنطلق فواجب عليهم متابعة ذلك وأن يشاركوا بقوة فى رتق التمزق الذى ضرب جسد الإقليم, ويا ليت لو رأيناهم يجوبون أنحاء الإقليم فى وفود للمصالحة الإجتماعية ومخاطبة القواعد بخطاب توافقى وبنبرة أخوية وسيستمع إليهم أهل دارفور فهم أهل أمثال وحكم, ولعلَّهم بذلك سيتمكنون من إصلاح إعوجاج بيت دارفور المائل.

 

(6) أبناء دارفور بالأحزاب السودانية:

 

أين دور أبناء دارفور المنضوين فى أحزابنا القومية فيما يحدث من مآسى بالإقليم؟ أين دكتور مادبو, دكتور عبدالنبى, دكتورعلى الحاج, دكتور الحاج آدم يوسف, أمين بنانى, دكتور على حسن تاج الدين؟ ... الخ, وأين هم من هموم دارفور؟ هل نسوا ولاءاتهم الحزبية ولو للحظة وإجتمعوا ليتشاوروا فى حلول لمشكلة أهاليهم بفيافى دارفور أم أنَّ صخب العاصمة السياسى قد أصمَّتهم سماع أنين القتلى والجوعى هناك؟ لا نعرف كيف نجيب نيابة عنهم لكن الشيئ الذى نفهمه هو أنَّ العمل السياسى تقوم على ركيزتين أساسيتين هما القاعدة الجماهيرية والبرنامج السياسى, وبالنسبة لهؤلاء السياسيين فإنَّ قواعدهم السياسية, وكشيئ طبيعى, يجب أن ترتكزعلى أهلهم هناك فى دارفور وبالطبع هناك تبعات لذلك أقلَّها الجلوس معهم والتصدى لمشاكلهم والإستماع لقضاياهم, فإذا أحسنوا فعل ذلك اليوم فسيحسن إليهم تلك القواعد غداً والأمر بيدهم.

 

ثمَّ أين حزب الأمة مما يحدث أيضاً؟ هل قنع قادتها من أى خير فى دارفور وهى التى ظلت تعطيهم أكثر من 90% من المقاعد البرلمانية المخصصة لتمثيلها فى كل دورة إنتخابية؟ ومن المعروف أنَّ كل شياطين الفتنة العرقية الحالية التى ضربت دارفور قد أطلَّت برؤوسها عندما كان رئيس هذا الحزب على قمة الجهاز التنفيذى فى الدولة, وإنقسمت دارفور حينها, فغضَّ رئيس الحزب الطرف عن ذلك حتى إنقضَّت عليه كواسر الجبهة الإسلامية فكان هذا الخراب.

 

ولقد سبق أن قلنا فى مقال مبكرأنَّ العلاقة بين المواطن والحزب هى علاقة عقدية تقوم على فقه المصالح المشتركة, فكل منهما يخدم الآخر من أجل منفعة متبادلة, واليوم حين يشكل حزب الأمة غياباً تاماً عن مشكلة دارفور فهل يأمل أن يظل ذلك الرصيد التاريخى الإنتخابى سليماً بلا نواقص؟ كلا, فالصديق وقت الضيق, وأهل دارفور اليوم فى ضيق بينما إنصرف حزب الأمة إلى خلافاته وتشققاته وتوهانه فى دهاليز السياسة السودانية الأمريكية. فعندما ضربت الفيضانات كسلا قبل نحو شهرين قام السادة الختمية المراغنة بتسيير 30 شاحنة محملة بكل أنواع الإغاثة مثل الخيام والبطاطين والملابس والأطعمة والأدوية, لماذا؟ لأنَّ كسلا هى معقل الختمية والمرغنية والقاعدة السياسية الحصينة لحزبهم الكبير, فأين حزب الأمة من ذلك إزاء مشكلة دارفور؟ أقسم بالله صادقاً لو أنَّ الصادق المهدى ترك حرده فى القاهرة وقفل راجعاً ليقضى أسبوعين فقط متنقلاً فى ديار قبائل البقارة لتمكن من إطفاء هذه الفتنة ولساعد فى إنقاذ أرواح الألوف من البشر ماتوا دون وجه حق فى هذه الحماقة اللئيمة, لكن كما تزرع سوف تحصد, والحساب ولد فى نهاية الأمر.

 

(7) الإدارة الأهلية:

 

الإدارة الأهلية هى ملح التعايش السلمى بدارفور ولقرون مضت من الزمان, وبتحطيمها إنهارت سمات التعاون والتعاضد الذى عُرف عنه أهل دارفور على مرِّ العصور, وعليه فإننا نعتقد ضرورة وجود إستراتيجية طويلة المدى لإعادة بناء النسيج الإجتماعي بدارفور من خلال الإعتماد على إدارة أهلية قوية خاصة بعد الحروب التي جعلت القبائل تقتتل مع بعضها البعض, وكمدخل لا بد منه يجب مراجعة قانون الإدارة الأهلية الحالية التى وضعته نظام الإنقاذ, وإعادة تأهيل هياكل هذه الإدارة بما يضمن لها السيطرة على الخلافات القبلية كسابق عهدها لقرون فى ضبط حركة القبائل بدارفور وإقرار ممارسات الشورى والأعراف في حلها للمشاكل المستعصية.

 

إنَّ واحدة من الفتن الرئيسية التى زرعتها حكومة الإنقاذ فى دارفور هى إلغاء الهياكل التاريخية للإدارة الأهلية وإستبدالها بنظام الأمارات القبلية المصطنعة, والهدف كما هو معروف تفتيت ديار القبائل الكبرى وزرع بطون غريبة داخلها لتسهل السيطرة على كل الدار عبر قرارات فوقية, ولذلك فإنَّه من الحكمة بمكان إلغاء هذه الأمارات وتثبيت حواكير القبائل كما كانت يوم خروج المستعمر في عام 1956م, وإعطاء القبائل والبطون التى تم زرعها أو فرضها بالقوة وبضغط من الدولة, حقوق المواطنة الكاملة فى العيش والتنقل فى الديار التى إستوطنوا بها لكن دون سلطات قانونية وإدارية مستقلة عمَّا كان موجوداً قبل نزوحهم لتلك الديار. كما أنَّه سيكون مفيداً تكوين مجلس شورى قبلى يضم زعماء كل القبائل بدارفور بواقع ممثل واحد فقط لكل قبيلة هو زعيمها, ويكون هذا المجلس بمثابة برلمان أهلى لشئون القبائل, ولها صفة الإستشارية فقط, ويكون لها مقر دائم بمدينة الفاشر, العاصمة التاريخية لدارفور, ولها أمانة دائمة, وتتبع للوالى مباشرة, وتنعقد جلساتها مرتين على الأقل فى العام. مثل هذا المجلس سيكون له أثر إيجابى وسريع فى رفد التعايش السلمى بدارفور ودعم خيارات التعاون والتصالح. خلاصة القول هو ضرورة أن تعود الإدارة الأهلية قوية وفاعلة وتحديثها بآليات جديدة يمكن أن تزيد من مهمتها الأساسية فى حفظ النظام وضبط حركة القبائل.

 

(8) أبناء القبائل العربية:

 

إنَّ أكثر المتضررين من السُمعة الشائنة لمليشيات الجنجويد هم الشريحة الواعية من أبناء القبائل العربية بدارفور, ولعلَّ ذلك قد يمثل سبباً كافياً لهم كى يتحركوا ويبصروا المنفلتين من إخوانهم بضرورة الكف عن إرتكاب هذه الجرائم ومجازر القتل الجائر, ثمَّ إنَّ على طوائف التجمع العربى والمتبنين لبرامج قريش أن يعلموا أنَّ ما يفعلونه سوف لن تؤدى بهم إلاَّ إلى الهلاك وإلى مآسى لا يعلم بها إلاَّ الله, وهم إن ظنوا أنَّهم بإمكانهم إبادة قبائل الزرقة صاحبة الأرض لإنشاء دولة العرب على أشلائهم فإنَّهم واهمون, فيوم أن تذهب هذه الحكومة التى وفرت لهم الآيدلوجية والسلاح والتعتيم الإعلامى فسينكشفون أمام كل العالم وربما يدفعون ثمناً غالياً لم يتحسبوا له الآن.

 

إنَّ من حق التجمع العربى ومن حق كل جماعة أو فرد, أن تسعى وتناضل فى سبيل نيل حقوقها وتطوير قدراتها, تماماَ مثل الآخرين, لكن ذلك يجب ألاَّ يكون على حساب جماعة أخرى وبطريقة همجية تتخذ من القتل والإبادة أسلوباً لتحقيق الغايات, وإذا كان المطلوب هو تطوير دارفور فيجب أن يتكاتف الجميع, عرباً وزرقة, من أجل ذلك طالما أن الأرض واحد والثقافة واحدة والتاريخ مشترك والمصير هو نفس المصير, إنَّ التبعية العمياء لسياسات نظام الإنقاذ ليس فيه إلاَّ الهلاك, فهى قد أهلكت معظم السودانيين وأضرت بهم ضرراً لم يشهدوه من قبل, وها هم يواجهون من المآزق العصيبة التى لم تجلبها عليهم إلاَّ أفعالهم, ومن أقدار الله سبحانه وتعالى أنَّه قد يسلط على بعض عباده الظالمين من لا يتق الله فيهم وقد ينكل بهم بأضعاف ما إرتكبوه بحق الأبرياء والمساكين, فالظلم ظلمات.

 

نحن نعلم أنَّ هناك المئات من الروابط القبلية العربية منتشرة على طول البلاد وعرضها وكذلك حول العالم, هذه قدرات دارفورية يجب أن تتجه للبناء ولتطوير دارفور بدلاً عن غير ذلك, والتعايش السلمى والسلام الإجتماعى من أهمَّ مرتكزات البناء, لأنَّه من غير سلام فلن يكون هناك بناء, وعليه نتمنى أن يعى الإخوة أبناء العرب ذلك ويبشرون به فى أوساط أهلهم وكل أهل دارفور, وفى هذا المسعى يعجبنى بيان أبناء العرب الرحل من شمال دارفور بالخارج عقب حادثة كتم الأليمة فى السادس من شهر سبتمبر الماضى, ونشروه بموقع سودانيزأونلاين بالإنترنت, جاء فيه: "ان الاحداث كشفت عن طبيعة الخطة التي وضعها النظام للدفاع عن نفسه ومواجهة المعارضين له هناك, وقد ركز كالعادة لاستخدام البسطاء من اهلنا كدروع بشرية يتقي بها